سجلوا عندكم

لبنان… حين صار الفساد دينًا

Views: 962

د. زهير علامة

إلى  شعب  لبنان العظيم،

لقد آن الأوان أن ننظر في المرآة بجرأة، لا كضحايا بل كمسؤولين.

لقد انهارت دولتنا، لكنّ الأخطر أنّ ضمائرنا انهارت قبلها.

ما نعيشه اليوم ليس أزمةَ اقتصادٍ ولا أزمةَ نظامٍ سياسيٍّ فحسب، بل انهيارٌ أخلاقيٌّ شامل، جعل من الغشّ بطولةً، ومن السرقة مهارةً، ومن النفاق سلّمًا للترقّي.

المؤسّسات تنهار… والأنفس قبلها

حاولوا إسقاطَ مؤسّساتنا الأمنيّة لا بضغط الأزمات، بل بفساد النفوس؛ بالمال لا بالشرف. وكثُرَ من يسعى إلى تشويه دور القوى الأمنيّة، فإذا ببعضهم يتحوّل—والعياذ بالله—إلى مكاتب سمسرةٍ للجريمة: تهريب مطلوبين، وتزوير الأوراق الثبوتيّة، وتزوير رُخَص السَّوْق، وتصفية ملفات السيارات المسروقة، وإصدار رُخَص “الفيميه” المزوّرة، وتهريب البشر عبر المرافئ… كأنّ الحدودَ مزرعةٌ خاصّة!

ثمّ تسلّل الفساد إلى الجامعات، إلى ما ينبغي أن يبقى أقدسَ ما في مؤسّسات العقل. صار النجاح يُشترى، والرسوب يُلغى بالواسطة، والدكتوراه تُمنَح لمن يدفع لا لمن يكتب أو يبتكر. كم من شهاداتٍ ملفّقة، وكم من “دكاترة” بلا فكر، وكم من “أساتذة” يبيعون الدروس كما تُباع السلع في السوق السوداء!

وهكذا تحوّل التعليم إلى تجارةٍ بالجهل، فخرجت أجيالٌ تحمل شهاداتٍ لا تعني شيئًا سوى شاهدِ قبرٍ على الأخلاق.

 

الطبّ تجارةٌ والمريض زبون

وفي القطاع الصحي، يا للعار!

أدويةٌ مهرّبة ومغشوشة تدخل باسم “العلاج”، ومرضى يُستخدمون كوسائل ربح، وفواتير مستشفياتٍ تُضاعف بوقاحة، واعمال طبية  تُجرى بلا داعٍ إلا طمعًا في المال.

تواطؤٌ بين بعض الأطباء والمختبرات والمراكز الشعاعية على نسبٍ تصل إلى أربعين بالمئة وربما اكثر!

فيتحوّل المرض إلى صفقة، والمريض إلى زبون، والمهنة المقدّسة إلى تجارةٍ بالموت.

لقمةٌ مُدنَّسة 

ولقمةُ الناس لم تسلم هي الأخرى من هذا الانهيار الأخلاقي: فسادٌ في مصانع الغذاء يخلط الربحَ بصحّة البشر، وريٌّ للمزروعات بمياهٍ مبتذلة تُسقي الأرضَ سمًّا وتدفع الأوبئة إلى موائدنا، وغشٌّ في المطاعم يلمّع القذارةَ بديكورٍ لامع، وتقاريرُ تفتيشٍ تُحرَّر لتُعلَّق لا لتُنفَّذ، ومؤسساتٌ لا تبلغ الحدَّ الأدنى من النظافة ومع ذلك تفتح أبوابها كأنّ المواطن بلا قيمة. ثم تُباع موادٌّ منتهيةُ الصلاحية وكأنّ التاريخُ حبرٌ يُمحى، وتُعرَض لحومٌ وأجبانٌ ودجاجٌ فاسدٌ على أنه “طازج” في سوقٍ فقد الضمير قبل أن يفقد القانون. أيُّ وقاحةٍ هذه؟ حين يصبح تسميمُ الناس “شطارة”، وتتحوّل سلامةُ الغذاء إلى مزادٍ علنيٍّ على صحتنا.

الفساد صار نظامًا

في لبنان، صارت العدالة تُقاس بالواسطة، والكرامة تُشترى، والوظائف تُمنح بالمذهب لا بالكفاءة.

من القضاء إلى الإدارات العامة، من البلديات إلى الوزارات، من الجامعة إلى المستشفى… تسلّل الفساد حتى صار هو النظام نفسه.

صار الكذب أسلوب حياة، والغشّ ذكاءً، والتزوير دهاءً.

كلّ شيءٍ يُباع: المناصب، النيابة، التوزير، الشهادات، التقارير الطبية…

لا تقل: «ما إلي علاقة»

أيّها اللبناني ،

لا تقل إنّك بريء.

كلّ من سكت عن الفساد شريكٌ فيه، وكلّ من دفع رشوةً «ليُسهّل أموره» ساهم في إسقاط الدولة،

وكلّ من صوّت لزعيمٍ فاسدٍ لأنّه من طائفته باع وطنه بثمنٍ طائفيٍّ بخس.

وكلّ من قال «ما بتمشي غير هيك» خان نفسه قبل أن يخون وطنه.

نحن الذين صنعنا الوحش

الفساد لم يهبط من السماء، نحن الذين غذّيناه بالتبرير، وأطعمناه بالصمت، وغطّيناه بالتعصّب.

نحن الذين رفعنا اللصوص إلى مقاعد القيادة والقرار ثمّ بكينا حين سرقونا.

نحن الذين صدّقنا الشعارات الكاذبة وتغاضينا عن المحسوبيات لأنّنا استفدنا منها.

لقد صار الفساد ثقافةً لا استثناءً، قاعدةً لا خرقًا للقانون.

الإنقاذ يبدأ من الداخل

لن يُنقذنا رئيسٌ جديد، ولا حكومةٌ جديدة، ولا قرضٌ من الخارج.

لن تُصلحنا مؤتمرات المانحين، ولا خطط الإصلاح الورقية، ما لم نُصلح الخلل في داخلنا.

لن يتغيّر لبنان إلا حين يتغيّر اللبنانيون، حين يثور كلّ واحدٍ على نفسه قبل أن يثور على الآخرين.

حين يرفض الغشَّ في عمله، والرشوة في يوميّاته، والتبرير للباطل باسم «الضرورة».

 

الثورة الحقيقية… ثورة الضمير

الثورة الحقيقية ليست في الشوارع فقط، بل في الضمير.

أن ترفض أن تكذب، أن ترفض أن تزوّر، أن ترفض أن تغشّ، حتى لو كلّفك ذلك الخسارة.

أن تقول «لا» حين يكون الجميع يقول «نعم».

أن ترفع رأسك لأنّك لم تسرق، ولم تهادن، ولم تصمت.

 

لبنان لن يُشفى إلا إذا استعاد ضميره

سيقولون لك: «هيك البلد، ما فيك تغيّر». لكنّك تستطيع.

ابدأ بنفسك، بعائلتك، بعملك، بمدرستك.

ابنِ لبنةً صغيرةً في جدار الحقيقة، بدل أن تلعن الظلام كلّ يوم.

فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالمواقف، ولا تُنهضها الخطابات، بل الضمائر.

أيّها الشعب اللبناني،

لقد سرقوك لأنّك سمحت لهم، واستعبدوك لأنّك صمتّ.

انهض الآن، لا لتُسقط نظامًا فقط، بل لتُقيم وطنًا جديدًا على أنقاض الخداع.

انهض لتقول بصوتٍ واحد:

كفى! لن نكون عبيدًا لفسادكم بعد اليوم.

لبنان ليس مزرعةً، وليس صفقةً، وليس شركةً مساهمةً بين الطوائف.

لبنان هو أنت… ضميرك، كرامتك، وإيمانك بأنّ النور سيعود.

ولبنان سيعود حين يُطفئ الشعب آخر شمعةِ نفاقٍ في داخله.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *