سجلوا عندكم

هنري زغيب: من كتاب المدرسة إلى منبر أمين نخلة

Views: 128

فاروق غانم خداج

ثمة كتّاب لا نتذكّر متى دخلوا حياتنا، لأنهم لا يدخلونها من باب واحد، بل يتسلّلون إلينا عبر الكتب والأصوات والأغنيات، ثم نكتشف، بعد سنوات، أنهم كانوا جزءًا من تكويننا الأول.

هكذا عرفت هنري زغيب.

كانت البداية من كتاب المدرسة. في سنوات الدراسة، وقعت بين يديّ سلسلة كتب للقراءة والقواعد العربية شارك في إعدادها عدد من الكتّاب، وكان اسم هنري زغيب واحدًا من الأسماء التي رافقتني من مقاعد الدراسة. لم أكن يومها أعرف الرجل الذي يقف وراء الاسم، ولا أتصوّر أن ذلك الكاتب الذي مرّ بي في صفحات الكتاب المدرسي سيعود إليّ لاحقًا في صور أخرى، وعلى مسافات مختلفة من العمر.

وُلد هنري زغيب في صربا – جونيه عام 1948، وتخرّج في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، قسم اللغة العربية وآدابها. لكن سيرته لم تتوقف عند الكتابة الأدبية؛ فقد حضر في ميادين الثقافة والصحافة والتعليم والتراث، وأسّس عام 2002 مركز التراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، وارتبط اسمه بإدارته سنوات طويلة.

ثم جاء التلفزيون ليقرّب الصورة.

كنت أتابع هنري زغيب في حواراته مع سعيد عقل. وفي عام 2006، حاوره أمام كاميرا تلفزيون لبنان في خمسين حلقة ضمن برنامج «سعيد عقل إن حكى»، بعد أن كان قد أمضى معه خمسين ساعة أخرى في منزله عام 1993. لم يكن الحوار مجرد استعادة لسيرة شاعر، بل كان إنصاتًا إلى سعيد عقل وهو يستعيد أفكاره ونصوصه ورؤيته إلى لبنان.

وفي أحد تلك الحوارات، لفتني مقطع من شعر سعيد عقل في أغنية «عم بحلمك يا حلم يا لبنان»، ولا سيما العبارة: «إنت الهدايا بالعلب». توقفت عند الصورة طويلًا؛ لبنان نفسه يتحول إلى هدية، وإلى شيء ثمين يمكن أن يحمله الإنسان معه أينما ذهب. ومنذ ذلك الوقت، بدأت أرى في الحوار الأدبي أكثر من نقل للمعلومة؛ إنه أحيانًا باب يفتح أمام القارئ على شاعر ووطن وذاكرة.

ثم جاءت الأغنية.

حين أحببت أغنية ماجدة الرومي «خدني حبيبي»، توقفت عند عبارة «يا سنيني لا تنسيني»، وعرفت أنها من كلمات هنري زغيب، ولحن نور الملاح. ومن الأغنية انتقلت إلى الشاعر، ومن الصوت إلى الصفحة، فبدأت أقرأ شعره وأقترب أكثر من تجربته، وخصوصًا من النصوص التي ظل فيها لبنان حاضرًا، لا بوصفه شعارًا، بل بوصفه تجربة وحنينًا ومكانًا حيًا.

هكذا اتسعت صورة هنري زغيب عندي: لم يعد ذلك الاسم الذي عرفته في كتاب المدرسة، ولا الكاتب الذي كنت أراه على شاشة تلفزيون لبنان، بل صار شاعرًا وكاتبًا يحمل إلى الناس شيئًا من لبنان الثقافي، ويعمل في الوقت نفسه على حفظ ما قد يضيع من تراثه.

ولعل تأسيسه مركز التراث اللبناني كان التعبير الأوضح عن هذا الجانب من شخصيته؛ فالمسألة لم تكن مجرد جمع وثائق وصور وكتب، بل حماية الأثر اللبناني من النسيان، وإبقاء ما صنعته الأجيال السابقة متاحًا للأجيال الآتية.

ومن هنا أفهم أيضًا كتابه «سعيد عقل إن حكى»، الذي جاء عنوانه في صدى واضح لكتاب سعيد عقل «لبنان إن حكى». وإذا كان سعيد عقل قد جعل لبنان يتكلم في كتابه، فإن هنري زغيب جعل الشاعر نفسه يتكلم، عبر ساعات طويلة من الحوار والإنصات، في محاولة لتسجيل سيرة رجل وشاعر ومرحلة كاملة من الحياة الثقافية اللبنانية. وقد صدر الكتاب أول مرة عام 2010، ثم توالت طبعاته.

لكن اللقاء الذي أعاد هنري زغيب إلى دائرة اهتمامي بصورة مختلفة، كان في منصة فيلوكاليا – عينطورة، حيث استضافني هنري زغيب، وكنت أحد المتحاورين في جلسة تناولت أمين نخلة وتجربته الأدبية، وكان إلى جانبي الضيفان الآخران: سعيد أمين نخلة وجهاد الأطرش.

هناك، سألني هنري زغيب عن «المفكرة الريفية»: ماذا بقي منها في الذاكرة؟ وما الذي جعلها بهذا السحر؟

كان السؤال في مكانه تمامًا.

فأنا أسكن في بتلون، في حمي بتلون تحديدًا، حيث بنيت بيتي بين الأشجار، بعيدًا عن الناس مسافات، واخترت للعيش مكانًا لا يجاورني فيه إلا العصفور والشجرة وصوت العنزة في الريف. وهناك، بجوار الفوارة والباروك، في البيئة التي ترعرع فيها أمين نخلة، يصبح الصمت جزءًا من المكان، وتصير الطبيعة جارًا دائمًا، ويغدو الريف حياةً تُعاش لا مجرد منظر يُرى.

لذلك لم يكن سؤال هنري زغيب عن «المفكرة الريفية» سؤالًا عن كتاب قرأته فحسب، بل عن مكان أعيش في جواره، وعن طبيعة وذاكرة ما زالتا حاضرتين في تفاصيل حياتي. وربما لهذا شعرت أنني لا أجيب عن كتاب، بل عن علاقة الإنسان بالمكان، وعن الطريقة التي يستطيع بها الكاتب أن يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى لغة تبقى.

صدرت «المفكرة الريفية» عام 1942، وظلت من الأعمال البارزة في النثر الذي جعل الريف مادة أدبية ووجدانية.

وأمين نخلة لا يصف الريف من خارجه؛ إنه يصغي إليه. شجرة، نافذة، طريق، بيت، ظل، رائحة، موسم، كلها يمكن أن تتحول في لغته إلى جزء من سيرة الإنسان. ولعل هذا هو سر ذلك السحر الذي جعل «المفكرة الريفية» تتجاوز وصف الطبيعة إلى بناء ذاكرة كاملة للمكان.

وفي عينطورة نفسها تتجاور طبقات مختلفة من الثقافة اللبنانية. ففي دير الزيارة درست مي زيادة، بينما ارتبطت مدرسة مار يوسف – عينطورة بأسماء مثل إلياس أبو شبكة وكمال جنبلاط. وكان من الجميل أن يأتي الحديث عن أمين نخلة في هذا الفضاء المشبع بتاريخ الأدب والفكر؛ فأنا أستعيد «المفكرة الريفية» من موقع من اختار أن يعيش قريبًا من الطبيعة، بينما يستعيدها هنري زغيب بعين الكاتب الذي جعل من حفظ الأثر الثقافي جزءًا من مشروعه.

ولعل هذا ما يفسر شيئًا من جاذبية هنري زغيب: أنه لا يتعامل مع الماضي بوصفه بابًا مغلقًا، بل بوصفه مادة حيّة يمكن أن تعود إلى الحاضر من خلال الكتاب والحوار والصورة والأغنية.

حتى في «داناي… مطر الحب»، حيث يقترب هنري زغيب من الحب في الشعر والنثر، يظهر ذلك الحس الذي يربط الكلمة بتجربة الإنسان الداخلية، ويجعل الكتابة امتدادًا للحياة لا منفصلًا عنها.

وحين أستعيد الآن المسافة التي قطعتها في علاقتي بهذا الكاتب، أكتشف أنني لم أتعرف إليه في لحظة واحدة. كان حضوره يتشكل بهدوء: اسمًا في كتاب مدرسي، ثم صوتًا على شاشة، ثم عبارة في أغنية، ثم شاعرًا أقرأه، ثم رجلًا ألتقيه ويتحدث معي عن أمين نخلة و«المفكرة الريفية».

لم أتعرف إلى هنري زغيب مرة واحدة؛ لقد ظللت أتعرف إليه طوال الطريق.

ومن كتاب المدرسة إلى منبر أمين نخلة، بقي لبنان هو الخيط الذي جمع الحكاية كلها.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *