سجلوا عندكم

“الزنديق” مجموعة قصصية جديدة لمحمد إقبال حرب

Views: 175

صدر عن دار النهضة في بيروت كتاب “الزنديق” للدكتور محمد إقبال حرب، وهو مجموعة قصصية تغوص في أعماق الوجود وما يتضمن من تناقضات في المعتقدات والمفاهيم الدينية والمجتمعيَّة ويضع الإصبع على جرح الذي يدمي الإنسانية منذ وجودها الأول على كوكب الأرض وهو الجشع والتسلُّط الغرائز التي تفسر القيَم والمبادئ على قياس المصالح الشخصيَّة وتجعل من البشر قطيعًا مُحلَّلا للذبح ولا مَن يرتوي من الدماء ولا حتى مَن يثور لتغيير الواقع السائد منذ الأزل والظهار سيبقى إلى الأبد. 

يوقع الكاتِب جديده في جناح دار النهضة ضمن فعاليَّات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في 15 تشرين الأول بين السادسة والثامنة مساءً.

في ما يلي قصة من الكتاب في عنوان “انتبه لخطواتك”. 

عند سفح السِلسِلة الغربيّة، انحدارًا من جبل صنّين تُطل سطيحة العمّ أبو علي على سهل البقاع، يمتدُّ أفقُها إلى قمم السِلسِلة الشرقيّة مرورًا بعُمق السّهل الذي كنا نعُدّ أشكالَ كُرومه الهندسيّة قبل أن تغزوه الحضارة الاسمنتيّة التي شوّهت أهراء روما وافقدته صِفتَه الإنتاجيّة.

ذات يوم اقتحمَت بدويّة ذات وَشمٍ أخضر على ذقنِها، معصوبةُ الرأس وقايةً من شمسِ الرَّوَاحِ التي تغزو سطيحة العمّ أبو علي. وجدَتنا أطفالًا نقتحمُ أولى سلالِم سني المراهقة، فابتهجَت لصيدِها. فاوضتنا على “التبصير” بالودع فوافقنا على سِعرٍ موحّد، بيضة عن كلّ فرد تَبوحُ له بأسرارِ الجِنّ. قالت ونجّمت للجميع، ثم جاء دوري. سمِعَت خفيق قلبي وهي تقتحِمُ عينيَّ كمِسبار يحُطّ على سَطح نيزَك عابِر يستكشفُ خواصه. فجأة انقضّت عيناها على قدميّ المُتشقّقتين المُنزلقتين من نعالٍ قديمة. لمع وجهُها كمذياع والدي قُبيل نشرة الأخبار التي كان يُنصت إليها أكثر من صلاة العشاء. قالت: ستتزوج ثلاث نساء ولن تُرزق بذريّة، أنت ملعون يا محمد لن تُواظبَ على الصَّلاة أبدًا، لكنك ستشتري حِذاء جديدًا قبل دُخولك المَدرسَة هذا العام. عليك الاحتراس فهناك شيطانة تسعى إلى سرقةِ الحِذاء والدَوسِ به على أحلامِك. انتبه لخَطواتك في رِحلة حياتك واحذَر من الغواني ذوات الصدر الناهِد والعُمر البائد. يسرِقن عُمرك ويخفينه في بئر النِّساء، وبئرُ النِّساء موتٌ زؤام تتعفّن فيه أعمار الرِّجال.

صدقَت العرّافة وحظيتُ بحِذاء جديد، لكن لم أعرِف كيف أُحافظُ عليه. لم أتعلّم كيف ومتى انتعلُه. إنه الحِذاء الأزلي الذي يحمِلني إلى هناك كما قال لي عابِرُ سبيل. لكن لم أعرف وُجهة هناك قطّ لا قبل سرقته ولا بعدَها. لم أعرِف من سرَق الحِذاء! ليتني أعرِف عُنوان العرّافة لتَهديني إلى حيثُ السبيل. أليست العرّافة من ترسِم مُستقبَل الأطفال في بلاد العرَب؟ أليست هي قُبلةَ النِّساء والرِّجال؟

أخذني الضَياعُ بحثًا عن حِذاءٍ انتعلُه إلى هدفٍ لا أعرفُه فقضيتُ عُمري تائهًا بين الأمصارِ حافيَ القدمين بلا هدَف أنشُده في وَهم رسمَته عرّافةٌ ذاتَ مساء على شِغاف طفولتي. ليتني أجدُ تلك العرّافة لتُخبرَني عن سرّ الحِذاء، عن مصير أزواجي من النِّساء كما عن صِلاتي التي أرّقني ضَياعُها بين الأشياء. ليتني أجِدُها لتُخبرَني عمّن يضربُني بحذائي كلّما حزمتُ أمري على مُتابعة المَسير. ليتني أعلمُ كيف أصبَح الحِذاءُ سِرّ المصير، وكيف ترعرَع في ذاتي إنسانٌ حقير!

ليتني بقيتُ حافيًا لأقبّل الأرضَ بقدمي مع كلّ خَطوة أخطوها، لأستشعرَ بَردها من حرِّها، عطشَها ليديّ تنقّبانها، تفجّران خيراتِها. حاولتُ العودة من دون الحِذاء فلم تتعرّف عليّ أرضٌ ولدتني. طردتني طردَ الحشرات الطُفيليّة. غضِبتُ، بكيتُ، خرجتُ باحثًا عن الحِذاء فضربني لِصُّ الأحذية على خدّي بحذائي وأشار إلى البعيد قائلًا: هناك أرضُ العَبيد.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *