صندوق أمي… صندوق جدتها…
مريم شقير أبو جودة
يوم غادرت أمي الحياة ، اختفى معها مفتاح خزانتها التي حافظتْ عليها طوال سنوات عمرها وانتقلت معها إلى كل بيت ومطرح تنتقل إليه..
بعد الرحيل ، توزعت محتويات الخزانة في صناديق ، وكل واحد من الأشقاء والشقيقات أخذ ما يخصه ..
وحين بنيت منزلي في ميس الجبل ، نقلت الصندوق الذي يخصني إلى هناك .
ومع أنني زرت القرية مراتٍ بلا عدد بعد رحيلها ، ووقفت أمام الصندوق عشرات المرات ، لم أتجرأ يوما أن افتحه وارى ما فيه ، رغم معرفتي أن المرحومة كانت خزان الذكريات لجميعنا ، خاصة الصور العتيقة لي ، وقصاصات الصحف التي نشرت فيها في الأمس البعيد.. ورسائلي وقصائدي الأولى ، والرسائل الخضراء بيني وبين يوسف أخي ، وخربشات المراهقة ورسائل الحب الأولى التي كتبتها أو وصلتني قبل زواجي وكنت أهربها إلى أمي ، بعدما مزق أبو البنات كل ما وقعت عليه يداه ، وكان يسعى لتمزيق كل من ينظر إلي أو يهمس بكلمة إعجاب ولو بريئة، واشياء كنت اتخيلها ولا أقدم ولو مرة للتأكد من وجودها او نبشها..
وكم أشكر الله أنني لم أترك الصندوق في بيتي في الحازمية وإلا كانت حريق الكبر الذي التهم كل أرشيفي ومكتبتي قضى عليه.
وحدها ابنتي هامو صارت تغافلني وتقتحم صندوق جدتها بكل سرّية وهدوء..
كانت كلما زارت الجنوب ، تعمد إلى فتح الصندوق ، وأفاجأ في اليوم التالي بصورة لي عتيقة أكون قد نسيتها ، تتصدر صفحتها في الفيس بوك ، وحين ألومها تتهرب ، وتقول معلش ياماما كرمالي ..حبيت الصورة ..
وتكرر الأمر ، وهامو تعرف مدى رفضي للضوء لا قبل ولا الآن ، ومع ذلك تفعل كل حين ، خاصة حين تجد لي صورة مع والدها رحمه الله ، واغضب قليلا ثم ارضى حين اراها تضحك من كل قلبها لأنها سجلت انتصارها علي.
وحين افهم تهمس لي بمكرٍ أبيض : كل تاريخك من حقي أنا ، وأنا اليوم أتحكم بك ..
واعود لأرجوها من حقك فقط صوري مع المرحوم ، لكن الصور التي تجمعني برؤساء جمهوريات وحكومة ومشاهير ، أتمنى عليك الإبقاء عليها بعيدة عن النشر … وتهز رأسها موافقة ، وأنا يسكنني القلق وعدم التصديق..
صندوق أمي ، حرمّتـُـه علي ، لكن هامو اعتبرته مشاعا لها لأنه صندوق جدتها ، ولو كانت أمي على قيد الحياة لوقفتْ معها ، وأثنت على أفعالها، وربما قدمت لها أشياء أكثر وأكثر..
كل ذلك لا يهمني بقدر احساسي العميق اليوم بما كانت تفعله أمي ، كيف كانت تقتنص كل لحظة لتختلس صورة لي أو موقفا مدونا أو نصا ، كأنها كانت تؤرشف لي حياتي من أجلها فقط ، أتخيلها اللحظة تمسك بصورة لي ، تحتضنها ، تقبلها ، ثم تضيفها إلى كنزها الثمين ..
كم أشعر بالندم لأنني لم أقتن صندوقا كصندوقها ، لأنني لم أفكر لحظة بأرشفة الحياة ، والذاكرة قصيرة المدى تنسيني كل لحظات الفرح ، وتنفتح على المرارات ..



