سجلوا عندكم

نادوا على السطوح!

Views: 630

د. جهاد نعمان

صرخ العاقل في قومه قائلاً: إذا خفيت الحقائق، تحكّمت الأوهام والسخافات فاحذروها! 

فضجّ القوم مستنكرين، وقالوا إنه مجنون! 

وصاحت الحكمة في بيئتها منادية: لا تكتموا الحق وأنتم  تعلمون. 

فعلا صخب المكابرين، الذين لا يتراجعون أبدًا عن ترهاتهم وآرائهم الباطلة، لأنهم من أبناء الظلمة، فالنور يؤذي عيونهم، وقالوا للحكيم إنه جاهل! 

وارتفع صوت الوطنية التي تبني بيتها على أسس الحبّ الصافي، وتدعو أبناءها إلى التعاون الصادق، فثار ثائر الهدّامين، وألقوا البلية بين الفعلة الوطنيين، فأعاقوا بناء البيت، وقالوا للوطنيّ انه خائن! 

وجاء من ينذرهم بلسان جبران قائلاً: ويل لأمة كل طائفة فيها أمّة! 

فرجموه واتّهموه بالكفر! 

وقام فيهم الحرّ مناديًا بلسان فولتير: لا أثر لوطن حرّ إلا بمواطنين أحرار.

فآلمهم النصح، والحقيقة كالمبضع تؤلم، وقالوا من كيدهم إنه ثرثار! 

وانتصب الحق في الجماعة مردّدًا الحديث الشريف: احثوا التراب في وجوه المداحين الأفّاكين! 

فوقفت الزلفى بينهم وبين الحقّ. وحجبته عن أبصارهم، وأصمّت آذانهم عن سماع أقواله، وحرّضتهم على الابتعاد عنه، لأنه يمشي في الشارع عريانًا، شأن الحق مدى العصور، فهزأوا به ساخرين، وقالوا انه بلا حياء! 

وكما قال المسيح عند شقّ الفجر. مناشدًا تلاميذه بإعلان الحقيقة على السطوح، كذلك نهض باكرًا العاقل، والحكيم، والوطني، والنبي، والحرّ، والحقّ، وتضامنوا صارخين بأمّتهم: إننا نقول ما يسكت عنه الآخرون، ولو جرّ علينا القول مغرمًا. 

وأمام هذه الأصوات العالية كأصوات أبواق الجبابرة، تمزّقت حجب الأوهام والخرافات، وتوارى الباطل واتباعه في أوكارهم المظلمة، وبرزت الأمّة منخدرها، متسربلة بثوب شفّاف كالحقيقة التي يظنّها الجاهل عارية. 

لا تعجب يا صاحبي، لقوم يؤثرون الأوهام على الحقائق، فأمثالهم عاثوا فسادًا بين الورى مدى الأزمان، كماعلّمتنا التواريخ. 

وأمثالهم اهتدوا أخيرًا، والله يهدي من يشاء . 

فالضمير له، مهما طال الزمان، يقظة مفاجئة، فإما أن تقتل الإختلاجة الضلال في نفس الإنسان وتنجّيه، وإما ان يميتها الباطل الى الأبد، فتظل النفس هالكة، ويموت مع الضمير الصوّاني، كل شعور وطني  نبيل. 

فإذا رأيت يا أخي أمثال أصحاب هذه الضمائر الضالة، فبشّرها بجرأة المؤمن بالحق والوطن، ولا تنسَ الحكمة في قول شوقي:

 “قد تفسد المرعى على أخواتها/شاة تشذّ من القطيع وتمرق” 

ولا تنس ان بيت الوطن، يتألف من حجارة كثيرة، فإذا نقص حجر واحد منها، لا يكتمل البناء، فالوطن يحتاج الى جميع أبنائه، خصوصًا المكابرون الضالون، على مبدأ «عنزة ولو طارت». 

ليس من الهينات اجتذاب الضالين الى الحظيرة، ولكن كل جهاد في سبيل الوطن سهل مهما كان شاقًا.

فحبّ الوطن يمهّد كل الصعاب، والإخاء يستسيغ  كل عذاب، في سبيل إتحاد الأمة. 

الأمّة اشبه ما تكون بشجرة تحيا بجذورها، فإذا اعتلت هذه الجذور، يبست الأغصان، وتساقطت الأوراق،وماتت الشجرة! 

والشعوب كالشجر،  تحتاج الى اصولٍ ثابتة تنبت عليها الفروع، وتتغذى منتربة واحدة صالحة لتحيا. 

هكذا شعوبنا التي توشك ان تتضامن في ما بينها على الرغم من الفروق والانتماءات. انها في حاجة الىالحياة المثمرة في قوة، إلىترك البليلة حول عروقها، الى تعاون جميع أبنائها لنصرة الحقيقة الساطعة كالشمس في رابعةالنهار. 

انها في حاجة الى الجمع لا التفريق، الى البناء لا الهدم. 

ليس عدواً للبشر من يفضح عيوبهم، لعنايته بأمرهم،وغيرته عليهم، وإنما العدو هو الذي يصمت عن علم ويترك العيوب تقوّض كيان المجتمع، وتهدم أبراج الوطن. 

من له أذنان للسمع، فليسمع في وطنية واعية. 

***

(*) د. جهاد نعمان، أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه 

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *