“زوروني كل سنة مرّة” لسيد درويش أم للأخوين رحباني أم لعثمان الموصلي؟
سليمان بختي
” زوروني كل سنة مرّة”. هذه الأغنية الخالدة التي وصفها الموسيقار الراحل ملحم بركات ذات مرة بأنها ضد الموت. والتي نُسبت إلى سيد درويش (1892-1923) ويعود الفضل في انتشارها حديثاً في لبنان ودنيا العرب والعالم إلى صوت فيروز في كلمات وإعداد وتوزيع مختلف للأخوين عاصي ومنصور رحباني. هذه الأغنية لها تاريخ أبعد من ذلك ويعود إلى نهاية القرن التاسع عشر وهي بالأصل اغنية دينية (توشيح ديني) للملا والشيخ والحافظ عثمان الموصلي (العراقي) (1854-1923) – شعراً وتلحيناً (له تسجيلات قديمة على اليوتيوب). ومطلع الأغنية يقول “زر قبر الحبيب مرة” وغناها أيضاً تلميذه عبد الفتاح معروف.

ويؤكد بعض الباحثين ومنهم فكتور سحاب في كتابه “السبعة الكبار في الموسيقى العربية” (1987) انه عندما سافر الشيخ العبقري سيد درويش إلى سوريا في العام 1909 برفقة فرقة سليم عطا الله التقى بالشيخ عثمان وتلقى منه الكثير من الأفكار والخبرات الموسيقية بمختلف صنوفها. وقد اخذ سيد درويش لحن الأغنية بعد أن غيّر كلامها إلى اغنية غزلية مأساوية لشاب يحتضر ويعاتب ويدعو فيها أحباءه إلى زيارة قبره مرة في السنة، وتميزت الأغنية بطابع الشجن والايقاع المتهادي.

وكان أول من غناها في مصر حامد مرسي تلميذ الشيخ سيد في الإسكندرية عام 1917 ويروي مرسي انه شاهد دموعاً غزيرة تنهمر من عيني الشيخ سيد وهو يؤديها. وحامد مرسي كان له حفلات غنائية في مصر وأطلقت عليه أم كلثوم لقب “بلبل مصر”. وشارك في بعض الأفلام ممثلاً ومغنياً ومنها فيلم “أبي فوق الشجرة” لعبد الحليم حافظ. وغناها بعده المطرب “ابراهيم زكي موردخاي” المعروف بإسم زكي مراد وهو والد المطربة ليلى مراد والملحن منير مراد، وكان صديقاً لسيد درويش وذلك بعد عودته من سفرة طويلة في أميركا وقد فوجئ بوفاة سيد درويش. وغنتها المطربة فتحية أحمد. وغناها أيضاً المطرب كارم محمود واسماعيل شبانة (شقيق عبد الحليم حافظ) في فيلم “سيد درويش” وغنّاها المطرب ابراهيم حمودة وغناها أيضاً إيمان البحر درويش (حفيد سيد درويش). وغناها مؤخراً محمد محسن ونهى فكري وهايدي موسى وأحمد حسني.

ومن سوريا غناها المطرب صباح فخري وفرقة سلاطين الطرب. وقد ألّف كلامها محمد يونس القاضي. وتقول: زوروني كل سنة مرة/ حرام تنسوني بالمرة حرام/ وأنا عملت ايه فيكم/ تشاكوني واشاكيكم/ أنا اللي عمري اداريكم حرام/ تنسوني بالمرة حرام/ يا عيني ع اللي ما لوش حد/ طول عمره يقاسي الوجد/ وتجري دمعته على الخد/ مسكين حاله بالمرة حرام/ قولوا لي ع اللي قسّاكم وبكاكم ونساكم/ أنا طول عمري ما انساكم/ حرام تسوني بالمرة”.

أما كلام الأخوين رحباني فكان مختصراً ومعبراً وبليغاً ومع الاحتفاظ بالمطلع نفسه، وتأتي التتمة: “يا خوفي والهوى نظرة / تجي وتروح بالمرّة/ حبيبي فرقتك مُرّة حرام/ تنسوني بالمرّة حرام/”.
واعتادت السيدة فيروز أن تختم حفلاتها بهذه الأغنية أو بأغنية “أنا صار لازم ودّعكن” لزياد الرحباني. وفي لبنان غناها أيضاً عيسى غندور وأميمة الخليل ودانا حوراني. كما غنتها الفنانة العالمية داليدا في “اغاني اغاني اغاني وحشاني”. كما عزفها العراقي عمر بشير في بودابست.

ولكن من هو صاحبها الأصلي عثماني الموصلي؟
ولد في الموصل عام 1854 وتوفي والده وكان سقاءً ولم يزل في السابعة. ضمّه جاره محمود العمري إلى أولاده واكتشف حلاوة صوته فخصّه بمعلم للموسيقى والألحان. انفتحت أمامه المعارف فشدّ الرحال إلى مصر وأصدر فيها مجلة “المعارف” ولم تعمر طويلاً. سافر إلى اسطنبول وغنّى أمام السلطان عبد الحميد وأصاب شهرة وفتحت له أبواب القصور. عاد إلى مصر مجدداً والتقى بالموسيقار عبده الحامولي وغيره من الموسيقيين الذين درسوا عليه فنون الموشحات والموسيقى. يروي الشيخ عثمان انه رأى مناماً فتح له الطريق لزيارة الحرم الشريف وقبر الرسول، ففعل. ولما عاد إلى حلب استذكر الزيارة بحنين وارهاف وكتب الكلمات ولحّنها وغنّاها أمام المتصوفة: “زر قبر الحبيب مرة حرام/ تنسوني بالمرة حرام”.
في العام 1910 أعاد بناء مسجد شمس الدين الأموي في الموصل وانشأ مدرسة خاصة به.

ولديه الكثير من الموشحات والألحان منها: “فوق الناخل فوق” (غناها ناظم الغزالي) و”قدّك الميّاس” و”لغة العرب اذكرينا” (غناها يوسف عمر) و”طلعت يا محلى نورها” (نسبت إلى سيد درويش أيضاً”) و”آه يا حلو يا مسليني” (غناها ناظم الغزالي وصباح فخري). استقر الملا عثمان الموصلي في جامع الخفافين في بغداد حيث توفي هناك في العام 1923 ولم يعرف أين ستنشر أغانيه؟ وكيف؟

ولا يضير أغنية “زوروني كل سنة مرة” اصلها وفصلها ولا صاحبها الأول أو الثاني أو الثالث ومن غناها فقد غدت ملك الناس والذاكرة والتراث، وملك من يحتاجها، وملك الجمال والذكرى المستعادة والشجن الأخاذ الذي فيها. وعبرت من ديار الشام إلى مصر إلى اسطنبول فإلى ديار الشام والعالم العربي.
المهم أن لا ينسى أحد هذه الأغنية. حرام تنسوني بالمرة.



