سجلوا عندكم

قراءة في “لحظة حقيقة”  للشاعرة رانية مرعي

Views: 267

د. جوزاف ياغي الجميّل

 

لحظة حقيقة

في لحظةٍ ما.. وعلى عكس الرواية الشرقية… رمى الحصان الخيّال المزيّف… وارتمى في أحضان الفارسة التي تنتظرها الحكاية لتكون النهاية صادقة..

في لحظةٍ ما.. نقتلُ الخرافة… ونملأ الصفحات بقلم الحقيقة… كي لا تلومنا الأقدار.. عندما نصيرُ يومًا قصصًا في مجالس الذكريات..

في لحظةٍ ما.. تسقطُ الأقنعة الكاذبة التي مرّغت الصدق في وحول الخذلان.. فنعرف أنّهم لم يكونوا سوى أشباحٍ تبحثُ عن ظلّ.. لتسرق النّور .. 

في لحظةٍ ما.. نعتذرُ من الحب .. 

هل يُسامحُنا ؟

                                          رانية مرعي

 

 

*

هل يسامحنا الحب؟

لأول مرة، أبدأ القراءة من النهاية، لا من العنوان. 

أبدأ من سؤال يخامر عقول العشاق وضمائرهم. هو الهاجس الأكبر يسيطر علينا حتى الجنون. ونتساءل بدورنا، في محاولة للإجابة: أليس الحب الحقيقي مسامحة وغفرانا؟ وهل يمكن للحب إلا تجاوز الأخطاء والاعتراف بأن القلب المحب لا يتسع إلا للحب وحده، وللمغفرة بلا شريك؟

بيننا وبين الحب ائتلاف واختلاف. 

نعم، يا صديقتي، يسامحنا الحب لأنه الحب… وكفى. وهو لا يقبل منا الاعتذار.

يسامحنا الحب، بلا قيد أو شرط، لأنه متجدّد بذاته ولِذاته، ولا يملك أن يكون إلا كذلك. 

يسامحنا الحبّ لأنه يحمل في بذور أحلامه يقظة غير مقيَّدة بزمان أو عاطفة فيها من الإنسانية ما يحوّل زهيرات برية إلى زيتونة  مثقلة بالغلال.

في لحظة الحقيقة، يكتشف الحصان زيف خيّاله، فيرميه أرضا.

في لحظة الحب، ينكشف القناع، وتنكسر المرآة. وما أوهى قناع اليراع، زيف الإبداع، في الرواية الشرقية/ الحب، كما يقول الشاعر النزاري:

“الحب ليس رواية شرقية  بختامها يتزوج الأبطال”

في لحظة هاربة، في واقعنا الافتراضي، نقتل خرافة أمّ عمرو، ونقتحم قصر الحقيقة؛ كي نواجه أقدارنا الحمقاء، أقدار الحب والبوح والوجد المقنّعة بالأنانيات. نواجه الخرافة كي ندخل السرد، من بابه الموارب، في حديقة النسيان. وأيّة قصص نصيرها في عالم تسوده ذكريات العنقاء؟

والفارسة الخارجة من قصر الانتظار، كيف تنتظر الحصان الأبيض يأتيها بلا فارس؟ أتكون رمز الأمة العربية وقد أصابها الإحباط من فارس عربيّ حقيقيّ، يقودها نحو العزة والأمجاد؟

 وصل الحصان ولم يأتِ غودو على صهوته، فاستقبلته الفارسة ثورةً خاب أملها في قائد يمتطي صهوة الحكاية/ الآمجاد العربيّة. 

عن أية حكاية تتحدث الأديبة رانية مرعي؟

أهي حكاية شهرزاد، وقد تجاوزت قصصها الألف ولم يرعوِ شهريار عن قتل النساء، أم حكاية الأدب العربيّ الذي يبحث عن إبداع يمتطي صهوة الصدق، ولا يجد إلا القشور، بلا لباب؟

أيكون الصدق الفنيّ معيارًا لإبداع الأدباء، أم صدق التجربة الذاتية الوجدانية التي ترفض زيف الخداع؟

إنها صورة للعلاقة بين الأديب والقارئ، في غياب الناقد. صورة تفيض فيها الخيالات، وأشباح أكاذيب الضياع.

إنه اللقاء الصراع بين أقنعة الأشباح، وأقلام  الشعاع.

في لحظة ما…عبارة تكررت أربع مرات.وتكرارها في بداية المقاطع الأربعة يجعلها أشبه بدوائر حلزونية تحيط بفكر الأديبة مرعي الغارقة في دوامة الزمن الضائع الشريد. دوائر تشبه كل منها أنشوطة مشنقة تلتفّ حول رقبة القارئ والكاتبة في آن. (gamepur.com) مشنقة تعلن موت الخداع والرياء لدى مدّعي الأدب والإبداع. دوائر أربع خارج الزمان ولكنها تشمل الجهات الأربع في عالم الإنسان.

في لحظة ما دقّت ساعة الحقيقة، ساعة الصدق/الحب/ الإبداع. فبان نور مُثُل أفلاطون، وانكشفت أشباح الظلال، في كهف الحياة. أضاء ديوجين قنديلَ صدقِ المؤلف الذي لم يمت كما قال النقاد المحدثون، ولكنه صدّق جدلية المحو والكتابة، واختفى تحت أقدام الحصان، بل داخل حصان طروادة . أثملته عبارات الإعجاب الأعمى على وسائل التواصل الاجتماعي الخالية من الرحيق، فغاب في سبات عميق.

وتعتذر الكاتبة مرعي من الحب، بل من الأدب الحقيقي الخالد، لأنه مهمل، طرحته الزخرفات الزائفة وبهرجات الأضواء وتكذيب الآلاء.

عودة إلى سؤال النهاية/ البداية: هل يسامحنا الحب؟ فنقول: إن كنا لا ندري أننا أسأنا إلى الحب/الأدب/الإبداع في جرينا خلف السراب فتلك مصيبة. وإن كنا ندري فالمصيبة أكبر. ولكن الأدب ينتظر منا فعل ندامة، صدقًا في العودة إلى الذات المثقلة بالآلام والآمال. حينذاك، يسامحنا على ما كتبناه، على خطيئتنا نحو قدسه وجلاله، ولكنّه سيطلب منا التكفير. فهل تكفي حياة واحدة لنكفّر عن خطايانا ونخلع القناع؟

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *