سجلوا عندكم

الكبير أبو الياس (2)

Views: 837

خليل الخوري 

 

… وكان الراحل الكبير ميشال المر بوصلة السياسة في لبنان في ثمانينات القرن الماضي ومهندسها في التسعينات. وعندما لا بدّ من موقف يتّخذه الأفرقاء الذين تناوبوا على السلطة في ذلك الحين، كانت الإستشارة تُطلَب منه والموقف يصدُر عنه.

أذكر عندما اعترض المسيحيون على الإنتخابات النيابية وطالبوا بتأجيلها في مطلع التسعينات، كانت كلمة السرّ مع المر ولم تكن مع الهراوي ولا مع رئيس حكومة الإنتخابات رشيد الصلح. أُجريَت الجولة الأولى ثمّ كانت جولة جبل لبنان يوم الأحد الآتي. قادَ المثلث الرحمة البطريرك مار بطرس نصرالله صفير المقاطعة المسيحية (…) ثم اتُفِق على تسوية بين غبطته والهراوي والصلح بأن تؤجَّل إنتخابات الجبل أسبوعاً في حلّ توافقي فلا تؤجَّل كلياً ولا تُجرى في موعدها.

في تلك المرحلة، كنا والرئيس المر في المكتب الموقت، قصر سن الفيل الرئاسي الذي كان مهجوراً حتى ذلك الحين، ورنّ جرس الهاتف فإذا بالمتكلِّم على الطرف الآخر الرئيس رشيد الصلح طالباً من المر أن يتدخّل لدى حافظ الأسد لتأجيل الإقتراع في الجبل أسبوعاً. فلم يوافق. فأبلَغ الصلح الهراوي بالجواب السلبي، فاتصل رئيس الجمهورية بدوره بالمر ولم يوافق. وأحتفظُ لنفسي بالتفاصيل وبالكلام الذي قاله لكليهما على مسمع مني. وأُجريَت الإنتخابات في موعدها. وقال لي: أعرف أنك من المُقاطِعين. فقلتُ: صدقتَ في ما عرفت. فقال لي: إن إنسحاب المسيحيين من السلطة سيجرّ الوبال عليهم. فقلتُ: ومع ذلك سأُقاطِع.

عندما كان يتوجّه إلى سوريا لإجراء مُحادثات مع الرئيس حافظ الأسد وعبد الحليم خدّام، كانت الإستعدادات تبلغ ذروتها في المصنع داخل الحدود السورية حيثُ يكون حشدٌ من الضباط في العسكر والأجهزة بانتظاره. وبعد إستراحة فنجان القهوة، يدخل أبو الياس في موكب ضخم جداً… وإلى فندق الشيراتون حيث يكون المُرافِق الأمين، إبن الديمان الآدمي حنّا موسى، قد هيّأ «المغلّفات» بأعداد كبيرة ويقِف المُستَفيدون بالصف (ولا أريد أن أذكر الأسماء والمواقع). وأما الغداء في اليوم التالي، ففي دارة صديقه العماد أول مصطفى طلاس.

يوم تعرّض ميشال المر لمحاولة الإغتيال التي نجا منها بأعجوبة، وهي قصة تُشبه أفلام هوليوود، كان مُفترَضاً أن أكون في معيّته إلا أنني إعتذرتُ عن عدم المشاركة لسبب طارئ. وتلك المحاولة الرهيبة قصة أخرى لا بدّ من تسجيلها ذات يوم.

رجل الخدمات بإمتياز، العصامي، المُجتهِد الذي يدرس ملفّاته ويستوعبها بسرعة خرافية، رجل السلام والوئام، حلّال العقد، صانع الرؤساء، الرئيس ميشال المر رحمك الله أيها الصديق الكبير وأسكنَك فسيح جنانه وأحرّ العزاء إلى السيدة الفاضِلة سيلفي والرئيس الياس وشقيقتَيه ميرنا ولينا وعائلاتهم جميعاً.

ميشال المر مرحلةٌ فارِقة لن تتكرر في تارخ لبنان.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *