زمن الأرقام ولّى
د. جان توما
في زمن الأرقام يتّسع سجن الوطن. ففي كلّ معاملة لك رقم، وفي كلّ موقف لك رقم، وفي جلوسك في طائرة السفر، في تلك الأيام، لك رقم. منذ البدء كان الصفر ملك الأرقام، كما حالنا اليوم وقد غزا الوطن رقم منصّة الصّرف، والسعر الرسميّ، وسعر السوق، وتبديل رقم الصفر في أرقام الهاتف إلى رقم ٢ وغيرها من سبحة الأرقام.
تحرّرنا صباحات هذه الأيام من لغة الأرقام وتوابعها، صرنا نقف فجرًا أمام محطات البنزين، بكامل أناقتنت، تعتذر من ربّ عملك أن واجب سيارتك دعاك فلبّيت النداء، وأنّ القيام باكرًا من متطلبات العيش “الكريم” ، ولكن اللئيم في بلد صار منصّة للرحيل.
تحرّرنا صباحات هذه الأيام من لغة الأرقام، وصار عامل المحطة يناديك، كالسلطان، بإشارة من يده: “مرسيدس” قرّب، “هوندا” صفّ منيح، “كيا” افتح الطريق، وتكرّ أسماء السيارات، فتتذكر نوع سيارتك المتهالكة المشتهية نقطة بنزين، كما يشتهي المواطن جرعة أمل لم تعد تلوح في الأفق القريب.
الطريف أنّك في صفّك الطويل تستمع لنشرة الأخبار، فتسمع ما يبشّر ولكنك لا ترى إلّا وجوه الناس العابسة الغارقة في يأسها ما بين سماح بتعبئة بنزين، أو سماح بسحب كذا ليرة من المصرف، أو سماح بكيس رز واحد، أو سماحات من سلسلة قوانين لا تنتهي ولم يعد المواطن تعنيه، فقد فرغ صبره وجيبه وعمره كما يفرغ الوطن من خيرة شبابه وعقوله وأدمغته وقلوبه.