الهروب الكبير
خليل الخوري
هذا ليس عنوان الفيلم الكلاسيكي الرائع الذي قامت ببطولته نخبة من كبار عمالقة هوليوود، في الزمن الجميل. ببساطة، إنه عنوان لعرضٍ واقعي يومي، متواصل، منذ أشهر، يُعرض على أرض الواقع، وليس على الشاشة الفضية أو التلفزيونية، وهو أحد وجوه الحال اللبنانية التي تتردى إلى ما لا نهاية، في مأساةٍ متفاقمة، لدرجة أننا ما عدنا نعرف هذا النموذج المسخ الذي يُصرّون على أنه لبنان… أما نحن فنعرف أنه لبنانهم وليس لبناننا… ورحم الله جبران خليل جبران.
والهروب الكبير هو في هذه الهجرة التي باتت تشكل نزفاً غير مسبوق، ولقد نصل إلى وقت لن يبقى في لبنانهم إلا من لم يقدر، لسبب أو لآخر على أن يحظى بتأشيرة خروج إلى اي جهة خارجية.
أمس، اتصل بي أحد الأصدقاء الأوفياء، وأبلغ إليّ قراره الهجرة. كان يتحدّث وهو يُغالب الدموع في عينَيه. إنه من أولئك الذين آمنوا بهذا الوطن (الذي كان) إيماناً راسخاً. شهد له في الخارج، وأحبّه (مثلنا) حتى العشق، وعمل فيه بجد ودأب وإصرار طوال حقبتَي الشباب والكهولة. وكان في مقدوره أن يقيم في أوروبا التي منحته إحدى دولها الراقية جنسيّتها، ولكنه كان يرفض أن يُغادر هذا الوطن في هجرة مستدامة. أحد نجلَيه ضابط شاب في الجيش اللبناني، ونجله الأكبر تخصّص في بعض مجالات الطب، وكريمته مُستقرة في بيتها الزوجي، وهو وعقيلته في حياةٍ آمنة مطمئنة… أي أن كل شيء مؤمنٌ له هنا…
أجل! كل شيء إلا لبنان!
إنه، مثلنا، يبحث عبثاً عن ذلك اللبنان الذي كان فلا نجده! إننا نبحث عنه في السياسة فلا نجده.
ونبحث عنه في القيادات فلا نجده.
ونبحث عنه في المجتمع فلا نجده.
ونبحث عنه في الأخلاق والقيم فلا نجده…
إن هذا المسخ ليس لبناننا. إنه لبنان الفساد والفاسدين، ولبنان الزعامات الهجينة التي لا تعرف، ولا تُريد أن تتعلّم كيف تعرف قيمة لبناننا وفلسفة دوره وأهمية رسالته، إنه لبنان الذي تتهافت فيه الميليشيات والعصابات على التسلّح، إنه لبنان الذي لم يعد له أي قيمة ودور وحضور في المحيط والإقليم والعالم…
باختصار، هذه ليست هجرة. بل الهروب الكبير.



