فجر جديد… و”مناجاة” العصافير
أنطوان يزبك
الإيمان عبور من دنس الشرّ إلى مقدّس الطوباوية!
نعيش في هاوية جحيميّة، غضب يأكل منا اللحم والعظم ، شرّ شيطاني ورغبة لا متناهية في الإيذاء والقتل، في التجويع والقهر والإذلال، وحجب الدواء عن المتألم والمريض فينوء تحث ثقل أوجاع تفوق طاقته على الاحتمال…
مع إشراقة يوم جديد، نلهث وراء أمل يبدو حلمًا وكلامًا في عماية، هذا الأمل هو الإيمان خشبة خلاصنا من شِراك الشيطان وأحابيله، هذا الشيطان المتمكّن في النفوس ويقطع الطرقات ليمنعنا من الوصول إلى مدينة الله السماوية.
قد يقول قائل: الإيمان والقداسة من المستحيلات، ومن الصعوبة بمكان أن يرتفع الإنسان إلى الطوباوية والتجرّد وإنكار الذات إلى حدود بلوغ الإيمان الحقيقي والتسلّح به.
في إنجيل يوحنا آية 9 نقرأ كيف شفي الأعمى منذ الولادة، وكيف أثارت هذه المعجزة الفرّيسيين، وحاولوا طمس الحقيقة وتضليل الناس وهندسة صيغة معيّنة تجعل الحدث يُزهق وكأنه لم يحصل، فعمدوا إلى استجواب والديّ الأعمى ، ومن ثم استجوبوه هو أيضًا، ليضعوا في فمه كلامًا يدين المسيح، وفي نهاية المطاف سمع المسيح أن اليهود طردوا “الأعمى السابق”، فلقيه ودار الحديث التالي (يوحنا فصل 9 -38-41):
فَقَالَ يَسُوعُ: «لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ».
فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ: «أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟»
قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ.
هذا ما يحصل معنا اليوم، فنحن نشاهد بأمّ العين ما يجري تحت مجهر وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل إلينا الصورة اوضح مما هي عليه في حقيقتها، غير أننا نتابع الإنكار وندوس على إيماننا، بل نسفّهه، ونسخر من الحقيقة ونتحوّل إلى فريسيين، نعارض الحقائق ونحطّم دروب الإيمان…
المشكلة اننا نرى بوضوح ما يجب أن نراه، بيد اننا ننكر في نهاية المطاف ما رأيناه بعين الحقيقة لعلّة كامنة فينا.
ليس علينا أن نرضي أحدًا ولا حتى أنفسنا، بل أن نرضي الحقيقة التي هي الله ولا شيء غير ذلك، يقول بولس الرسول في رسالته إلى غلاطيا (1-10):
أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ.

لنبدّل طرقنا في التعامل مع الذات ومع الآخر، ولنستقِ الإيمان من ينابيعه الحقيقية كما فعل بليز باسكال حين اكتشف أن من الأَولى إعطاء الكلام للآباء الذين كاوا في عهد المعجزات، فمن غيرهم أفضل في الحديث عن حقيقة ما جرى!..
مع الإيمان نسير في رحلة الانعتاق من الخوف، والانتقال على أجنحة قوى خفيّة إلى المكان الأفضل ولو حاصَرَنا الكلام. يقول طاغور:
“الإيمان عصفور يشعر باقتراب الفجر فيباشر في الزقزقة، حتى لو كان الظلام لا يزال منتشرًا”.
على أمل أن يطلّ فجر الغد وآلاف العصافير تغرّد في أرجاء المعمورة!!
ما اجمل ما يسيل من حبر قلمك ..