سجلوا عندكم

الحضارة اليوم… هل عنوانها السخرية واغتيال الشخصية؟

Views: 1045

أنطوان يزبك

 في أحوال الهزء والسخرية؛ من الضحيّة؟ الساخر أم الذي يتعرّض للسخرية؟

يقول كونفوشيوس: “الشخص العظيم يقسو على نفسه، بينما الضئيل يقسو على غيره”.

كانت الساعة المؤلمة والمظلمة في المدرسة هي ساعة التسميع، حين يقف التلميذ على “قوس المحكمة”، والقاضي هو المدرّسة التي تطلب منه أن يسمّع غيبًا الاستظهار، أو ما كنا نطلق عليه دروس الأشياء أي العلوم الطبيعيّة؛ وللتاريخ والحقيقة كانت هذه اللحظات المريرة والمرعبة من أصعب وأمرّ ما يمكن أن يواجهه التلميذ في الحياة المدرسية، فهو يرتجف خوفًا من علامة الصفر التي تقف له بالمرصاد في حال أخفق، والأصعب من كل ذلك، ما ينتظره من سخرية وهزء رفاق الصف وخاصة الفتيات إذا كانت المدرسة مختلطة!!

كونفوشيوس

 

والسخرية ظلم ما بعده ظلم وألم مبرح يبقي في الروح جراحًا لا تندمل، وكم من مرّة استمرّ الهزء في الملعب بعد انتهاء الحصة وعلى طريق العودة إلى البيت حتى!!

مهما كان شكلها وسببها، السخرية مذمومة، واليوم أضيف التنمّر، كتعبير وفعل، إلى جانب الهزء واستضعاف الآخر وإحراجه إلى حد تدميره وتجريده من حقوقه وإنسانيّته.

والأخطر من ذلك كلّه أن السّاخر الهازئ هو ضعيف في الأساس ومحطِّم، ويأتي تصرّفه ردّة فعل على عقده وتعاسته وهزائمه الشخصيّة والداخليّة، فالمتنمّر ضحيّة، بدوره، ومصاب بداء التماهي يعبّر عن مخاوفه ومعاناته على شكل سخرية من الآخرين.

لا شك في أن من يضع صفاته السيئة في غيره هو من أحقر الناس وأضعفهم! 

لأنها وجدت لخير الناس تشجّع على الخلق الحسن وعلى تقبّل الآخر والاحترام  المتبادل، تناولت الأديان السماوية مسألة الهزء والسخرية بجديّة.

نقرأ في القرآن الكريم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الحجرات: 11).

كما نقرأ في المزمور (1:1):

” طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ”.

كذلك في سفر أشعيا (29:20):

“لأَنَّ الْعَاتِيَ قَدْ بَادَ، وَفَنِيَ الْمُسْتَهْزِئُ، وَانْقَطَعَ كُلُّ السَّاهِرِينَ عَلَى الإِثْمِ”.

قصة أليشاع

 

تبقى قصة أليشاع في الكتاب المقدّس الأكثر عبرة عن مسألة الهزء والسخرية، إذ نقرأ في سِفر الملوك الثاني (2: 23-25):

“ثُمَّ صَعِدَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى بَيْتِ إِيلَ. وَفِيمَا هُوَ صَاعِدٌ فِي الطَّرِيقِ إِذَا بِصِبْيَانٍ صِغَارٍ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَخِرُوا مِنْهُ وَقَالُوا لَهُ: «اصْعَدْ يَا أَقْرَعُ! اصْعَدْ يَا أَقْرَعُ!”. فَالْتَفَتَ إِلَى وَرَائِهِ وَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ، فَخَرَجَتْ دُبَّتَانِ مِنَ الْوَعْرِ وَافْتَرَسَتَا مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَلَدًا”.

قد يقول قائل: إن هذا كثير على خطيئة، قد لا تحتمل عقابًا مهولا كهذا، ولكن الله رفع النفس البشريّة إلى درجة القداسة والمساس بها خطيئة مميتة لمرتكبها.

كم ارتكبت من جرائم بسبب الهزء والسخرية، وكم أقدم شبان وفتيات على الانتحار، لعدم قدرتهم على تحمّل  سخرية وانتقاد رفاقهم لهم، فانهاروا تحت وطأتها وأنهوا حياتهم!..

أفلاطون (لوحة لرافايل)

 

بسبب التكتّم على موبقات وأمراض قاتلة، وتصنيفها على أنها غير مهمّة، تستمرّ المهزلة إلى ما لا نهاية، ألم يقل أفلاطون ذات مرّة: “عندما يبدأ التلاميذ يهزأون بأستاذتهم فاعلموا أنها بداية سقوط الأمّة”.

هنا يبرز التساؤل: هل عنوان حضارة اليوم السخرية واغتيال الشخصية، وهل طريقها انحداري إلى كورة الفناء؟

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *