سجلوا عندكم

قراءة في كتاب “الوجود ومفسروه” لـ علي محمد إسبر

Views: 218

وفيق غريزي

يُشكِّل كتاب “الوجود ومفسروه” للباحث علي محمد إسبر تعبيرا حقيقيا عن الحضور الكوني للفلسفة في مختلف تجلياتها، فهو ينزع بالقارىء نحو قبول الاختلافات المتعددة في الفكر الانساني مما يساهم في تنوع الحقائق المترتبة على هذا الفكر ذاته، ولهذا تتقوض الحقائق المطلقة التي يزعم البعض أنها ملك له وحده دون غيره من بني البشر. وها هنا نفهم كيف يفكر بارمنيدس أو ارسطو وكيف يتأمل افلوطين او ابن سينا، ونتعرف ايضا على الطريقة التي يشكِّل بها هيغل منظومته الفلسفية، وندرك البعد العميق لفلسفات معاصرة مثل فلسفة الحياة وتداخل المذاهب اللاهوتية والفكرية في التاريخ العقلي للانسان. 

الباحث علي محمد إسبر

 

ويتساءل الباحث، هل ثمة علة للوجود أم الوجود علة ذاته؟ وإن كان ثمة علة، فهل هي مفارقة للواقع المعلوم، مفارقة مطلقة أم هي على تواصل معين معه؟ وهل للانسان بقاء ما بعد الموت أم هو سوف ينحل ويتلاشى نهائيا؟ بالاضافة الى ذلك ثمة اسئلة عديدة يصعب حصرها، فالفلسفة لا تفكر بتوسط العلم، بل تفكر بحقيقة العلم وجدواه. وها هنا يحل الاستبصار العبقري محل الاداة العلمية، وينوب الحدس عن المعادلات الرمزية المعقدة.

غلاف كتاب “الوجود ومفسروه”

 

هرقليطس والوجود 

يبصر الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه في مفهوم اللعب لدى هرقليطس اعمق انواع حسه وقوامه، ان حقيقة العالم مجاز كوني عظيم يحس في نفسه قربى من الفيلسوف اليوناني في التصور الجمالي التام للعب العالم.

إن ما تأمل به هرقليطس بكثير من الجدية وجود القانون في الصيرورة واللعب في الضرورة، سوف يكون موضع تأمل الى الأبد منذ الآن. ويرى الباحث أنه عندما وحد هرقليطس بين الوجود واللاوجود عبّر عن احتقار هائل لمعنى الكينونة أو اللاكينونة. ويقول محمد اسبر: “وأظن أن إعلان هرقليطس المتجلي في المساواة بين الوجود واللاوجود يدلل على أن الوجود ليس وجودًا لأنه معطى للانسان، والانسان بدوره معطى آخر، فكيف يمكن للمعطيات ان تكون موجودة؟ وبالرغم من ذلك فان تعين الوجود على انه معطى معين يتبدى على هيئة اللاوجود على مستوى الحدس، فان هناك خيطا رفيعا يصلنا بين الوجود واللاوجود”. كما ويقف هرقليطس من الموت موقفا بارزا، فهو يؤكد أن رمي الاموات لضرورة اكثر الحاحا من رمي الزبل. وهنا تكمن مفارقة مدهشة، أن هذا الفيلسوف قد اصبح في آخر ايامه شديد الكراهية للانسان، فعاش حياته وقضى اوقاته في شعاب الجبال يقتات بالعشب والنبات.

هذا وقد أكد هرقليطس على أن الاشياء كلها واحدة. وهذا يعني أن مختلف ضروب الوجود المحسوسة أو المعقولة واحدة من حيث الجوهر، ولا يوجد اي فرق بينها. وما يؤسس العلائق الماهوية بين الوجودات هو النار، والنار هنا ينبغي أن تُفهم دائما على أنها تنسحب باستمرار من معناها الفيزيقي الى معناها الميتافيزيقي، وبالعكس. (https://charlesmcdaniel.co/) وفي هذه النقطة بالذات ابتعد بعض المفكرين عن الصواب عندما ذهبوا الى أن هذا الفيلسوف اليوناني قد اختار النار للتعبير عن رؤيته الكونية الفلسفية لأنه كان متاثرا بعبادة الفرس للنار. فالنار تعبير عن النور الذي هو رمز الخير، ويعاند النور الظلمة التي هي رمز الشر. 

هرقليطس

 

نظرية بارمنيدس

نظرية بارمنيدس من اهم اعلام المدرسة الايلية، ويمكن النظر اليه بوصفه فيلسوفًا فذًا. فقد اعلن الطابع الوهمي للادراك الحسي. فالفكر المجرّد هو وحده القادر على فهم حقائق الاشياء. اما الحواس، وما هي الا وسائل للحصول على معرفة باطلة. واذا اراد الانسان ان يصل الى معرفة حقيقية، فعليه ان يخضع كل الاشياء لقوة الفكر وحدها.

يعتقد الباحث أنه كان لايمان بارمنيدس بوحدة الوجود الاثر الاكبر، على تفكيره بهذه الطريقة. فالعالم كما يفهمه متآلف مع ذاته ومتعادل معها في كل نقطة من نقاطه، لكن هذا العالم يقول الباحث محمد اسبر: “يختلف اختلافًا جوهريًا عن العالم الذي نعيش فيه، فالوجود بوصفه تحققا في المحسوسات ليس الا تعبيرا عن عبث وسخف وزوال، اما الوجود الحق، فلا بد من أن يكون واحدًا ابديًا خاليًا من التكثر والحركة والخلاء”. لذلك، لابد من أن نفهم صيرورة الواقع العيني على أنها وهم وخداع، لأن خلف الوجود المحسوس يوجد وجود معقول لا يعرف إلا بالفكر، وهذا الوجود هو الوجود الحق.

 ويشير الباحث الى ان بارمنيدس ذهب الى انه ليس للوجود مبدأ، غير أن له نهاية ولا معنى للغايية فيه. فالوجود هو حضور فقط في الوعي الكبير الذي تمتع به بارمنيدس، وهذا الوعي دفع افلاطون الى ان يطلق عليه لقب المبجل. وينبغي ان نشير الى ان ميلسوس قد اختلف مع بارمنيدس، فقد ذهب الى أن الوجود ليس له نهاية، بينما اعتبر بارمنيدس أن الوجود متناه. لقد أحس بارمنيدس احساسًا قويا بالوجود والمنبث في كل شيء والذي لا يخرج عنه شيء، فأكد الوجود تأكيدا مطلقا، وقال: “أنه ملء كل شيء وليس في العالم المادي الا الوجود، فهو كل، واحد متصل، ازلي، وكامل، وكلما كان هو ساكن سكونا تامًا فلا يجوز ان يتغير او يصير الى ما هو افضل او اسواً. كذلك هو الموضوع الوحيد الذي يدركه العقل ولا يدرك شيئا خارجًا عنه ومغايرا له كالتغير والصيرورة والعدم والفراغ مما نادى به هرقليطس من بعده.

بارمنيدس

 

الوجود عند افلاطون

اعلن افلاطون عن وجود عالم معقول مستقل عن العالم المحسوس. فالعالم المعقول هو عالم علوي نبيل منفصل من حيث ماهيته عن العالم الدنيوي، الذي كان يلو لافلاطون ان يقول عنه:

“إنه عالم الاشباح والظلال، وما يقف وراء تحقق المحسوسات هو كينونة معقولة تكتنف داخلها مثلا سرمدية. وهذه المثل كائنات ميتافيزيقية اشكالها متعددة بتعدد الموجودات الحسية” التي تتكون بعد أن يحدث تماس أو توحد بين المثل والمادة الازلية، التي اعتبرها افلاطون كذلك حتى يحمل عليها وجود الشر. 

وحسب وجهة نظر الباحث  فان “افلاطون قد نظر الى العالم الذي يقدمه لنا الادراك الحسي على انه عالم الوهم والضلال”، أما العالم الحقيقي، فلا يمكن ان يكون إلا معقولا. ما يميز افلاطون عن الفلاسفة السابقين عليه هو انه قد اعتبر مصدر معرفته بالعالم المعقول منبثقا من حياة سابقة يعشها افلاطون بوصفه نفسا داخل العالم المعقول. فعندما يكون الانسان الفرد داخل عالم الظلال والاشباح يتذكر المعقولات من خلال مشاهدته للمحسوسات التي يمكن ان ينظر اليها بوصفها محاكاة للمعقولات اي المثل، وهذا ما يجعل الانسان قادرا على التأكد من وجود العالم المعقول. ويرى الباحث محمد اسبر: “ان المثل العليا عند افلاطون هي الحق والخير والجمال. وصورة المثال او مثال الخير باعتبارها مصدر العلية بين عالم الصور وعالم المحسوسات”. وبما ان صورة الخير هي الصورة العليا والقمة بالنسبة إلى جميع الصور والعلة الاولى او الاله،  فيمكن تصوير الصلة بين المحسوسات وبين الصور على اساس علية صورة الخير، فعن طريق صورة الخير تتحد صورة الاشياء بالمادة، وعن هذا تتكون المحسوسات. وهذا ما يسميه افلاطون باسم العلية العاقلة في مقابل الضرورة والعلية العمياء، ذلك أن المادة لا تقبل دوما الصورة، فتارة تشوه منها وتارة تكون نافرة بالنسبة اليها، ومن هنا ينشأ عدم قبولها لها. والموجودات التي تنشأ على هذا الاساس، التي علتها الضرورة، أما الموجودات التي تنشأ من صور الخير والتي فيها تقبل الصورة، المادة او الهيولى التي يراد ايداعها فيها قبولا تاما، فالعلة فيها عاقلة.

 مثال الخير بالذات هو قمة الهرم الافلاطوني فوق الوجود وفوق المثل. مثال الخير بالذات هو في المحرك الذي لا يتحرك الارسطوطالي. المحرك الذي يتحرك لدى ارسطو يمثل العقل المغلق على ذاته، فلا يخلق الماهيات ولا يعرفها، واما مثال الخير بالذات فيفيض بكل انواع الوجود فتوجد الموجودات وتحيا وتعمل مندفعة بقوة الخير بالذات نحو الحقيقة والخير والجمال والحب مثال الخير بالذات هو الواهب الماهيات والوجود للمثل. 

افلاطون

 

ارسطو.. المتحرك المحسوس 

كان ارسطو أول من نظر الى العلم في مجموعه ووضع مبادىء تصنيف تام للعلوم يتمثل في مجموع كتبه. فالعلم عنده ينقسم أولا الى نظري وعملي، بحسب الغاية التي ينتهي اليها، العلم النظري ينتهي الى مجرد المعرفة، ويقع على الوجود فينظر فيه من ثلاث جهات: من حيث هو متحرك ومحسوس، وهذا هو العلم الطبيعي. ومن حيث هو مقدار وعدد، وهذا هو العلم الرياضي، ومن حيث هو وجود بالاطلاق، وهذا هو ما بعد الطبيعة. اما العلم العملي فالمعرفة فيه ترمي الى غاية متمايزة منها، وهذه الغاية هي تدبير الافعال الانسانية، وذلك اما في نفسها، وهذا العلم العملي بمعناه المحدود، واما بالنسبة لموضوع يولف ويصنع، فهذا هو الفن.

ويشير الباحث اسبر إلى أن الموجود المحسوس كائنا ما كان في فلسفة ارسطو يتركّب من مادة وصورة، والمادة نفسها ازلية تكتنف الشر وهي تتعين من خلال اتحادها مع الصورة. ولما كان الجوهر عند ارسطو لا يقع في محل بحيث يكون هذا المحل مغايرا له، فان الوجود المحسوس من حيث هو مادة وصورة او مركب منهما لا بد من ان يكون جوهرا وارفع جوهر من بين هذه الجواهر هو المركب من مادة وصورة. ويؤكد الباحث ان كل جسم طبيعي لا يكون طبيعيا الا من حيث هو صورة، وبناء على هذا فان مجموع الاجسام الطبيعية هو مجموع من الصور. لكن للطبيعة صورة ايضا، فهل مجموع صور الاجسام الطبيعية هو الذي يحقق صورة الطبيعة ام للطبيعة صورة مستقلة؟ الجواب عن هذا السؤال هو أن مجموع صور الاجسام الطبيعية، ينزع نحو الاتحاد في صورة عليا هي صورة الطبيعة، فتكون هذه الصورة ارفع مرتبة من مجموعة الصور التي تكونها، العدم عند ارسطو هو فساد الصورة لان الصور عنده هي رمز الوجود الامثل.

ارسطو

 

ابن سينا وواجب الوجود

جمع ابن سينا في حياته القصيرة بين الكثير من المتناقضات، كالجمع بين الاقبال على الأهواء والشهوات، والاقبال على البحث: والتأمل، أو الجمع بين ضجيج السياسة وسكينة الفيلسوف، وبين الصبر المحقق وجرأة المخترع، فكان رجلا قوي الغرائز حاد المزاج، شديد الطموح، ولقد اخذ ابن سينا بنظرية الفيض الافلاطونية المحدثة مع تعديلات الفارابي عليها بالاضافة الى تفسيراته الخاصة به، فهو يرى أن اس الفيض هو الله بوصفه واجب الوجود بذاته لا بغيره. وحسب رأي الباحث: ان الله عند ابن سينا يختلف عن الله عند ارسطو، فاله ارسطو لا يعقل الا ذاته ولا يعقل غيره ابدا. وهذا يؤدي الى عدم علمه بالكليات او الجزئيات، اما اله ابن سينا، فانه يعلم بالكليات ولا يعلم بالجزئيات، وهذا الاله كما يفهمه ابن سينا يتأمل او يتعقل او يفكر في ذاته، فيفيض او يصدر عنه العقل الأول الذي يكتنف التنوعات المحسوسة اللامحدودة من حيث هي اتجاه نحو التحقق في العالم المحسوس. ويقول الباحث اسبر: 

“مثلما نجد ان النفس الكلية عند افلوطين تصدر عن العقل الذي فاض عن الله مباشرة، نلاحظ أن النفس الكلية هنا تصدر مثل العقل الثاني الصادر عن العقل الأول بفعل تأمل هذا الأخير في ذاته بوصف هذه الذات واجبة بغيرها وهذا الغير هو الله، ولما كان العقل الأول واجب الوجود بالله، فانه ممكن الوجود بذاته، بمعنى انه قابل للتحقق”. والعقل الأول باعتباره ممكن الوجود بذاته يتأمل في هذه الذات الممكنة الوجود عينها، فيصدر عن جرم او جسم الفلك الأول العائد له. ويترتب على العقل الثاني عقل ثالث ونفس وجرم، وكذا يترتب على الثالث، وهكذا دواليك وصولا الى العقل العاشر الفعال الذي هو صلة الوصل ما بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، ومهمة الفيلسوف تكمن في الارتقاء بعقله حتى يصل الى مرتبة العقل المستفاد الذي عن طريقه يتم التواصل مع العقل الفعال، فالعقل المستفاد هو الدرجة العليا التي تصل اليها النفس الناطقة. ويشرح ابن سينا القوى العقلية وتفاضلها وتميز النبي عن غيره قائلا: “ان الانيات ما هي قائمة فيها كذاتها ومنها غير قائمة بذاتها، والأول افضل، القائم بذاته أما صور وانيات لا في مواد او صور ملابسة للمواد، ولنقسم الثاني اذا كان المطلب فيه. والصور المادية التي هي الاجسام، اما نامية او غير نامية، والأول افضل، والحيوان أما ناطق او غير ناطق والأول افضل، وذو الملكة اما خارج الى العقل التام او غير خارج، والأول افضل، والخارج أما بواسطة او بغير واسطة والأول افضل”. 

ابن سينا

 

ويعتقد الباحث بان الجهود الفلسفية الآيلة الى معرفة الوجود بواسطة اساليب غير عقلية استطاعت أن تصل الى نتائج هامة وقيمة. لكن المشكلةالاساسية في الحقيقة لا تكمن في كيفية التوجه الفلسفي نحو الوجود من حيث معرفته وإنما في أن هذا الوجود نفسه لا يمكن أن يحمل عليه الا الوجود. فنحن نفِّسر الوجود بالوجود سواء كان هذا التفسير عقليًا، أو غير عقلي. فالمفسِّر هو من لحمة الوجود وسداه…

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *