سجلوا عندكم

ديوان “زيزفونة الدرب” للشاعرة الراحلة جمال سليم نويهض (أم خلدون)… روح تترقرق في الكلمات

Views: 1462

سليمان بختي

تكتب جمال سليم نويهض (أم خلدون) الشعر مثلما تكتب الحياة أوقاتها. أو كمن يقرأ في كتاب خلاصته الأخيرة: كيف تصير القصيدة الجواب الوحيد في عراء هذا العالم. والمحسوس في الطبيعة يستدعي اللامرئي كأن وصف الطبيعة في جانب منه انسكاب للذات في الصور والحالات والمدلولات.

وحين تصدح القصائد في الوطنيات يحضر الموقف الذي بدونه تبقى العاطفية قيد الاكتمال. هنا الشعر يلتحم في بعضه مثل الصوت والصدى والفعل والانفعال. هكذا تحضر الشاعرة في الوجود فلا حجب أو أقنعة بينها وبين الطبيعة ولا الإنسان ولا الآخر ولا القضية. كأن الشعر قد كان يرود الأشواق والآفاق والأرض البكر، ولم يزل ولم يستسلم مرة لوهن أو ضعف، بل قاوم وثابر وإنتصر.

والأجمل في قصائد جمال سليم نويهض (أم خلدون) أن الأمل لا يغيب بل ينمو كالبراعم بين الحروف والكلمات والأبيات ليجعل من الحياة أغنية للحياة. وحتى في قصص جمال سليم نويهض الشعرية تبزغ حكاية أجنحة الفراشة التي تنطلق منها رياح التغيير والحرية. وأراني في انحياز إلى ذلك السبك الخالص، حيث تفوح القصيدة فوح الحديقة وفوح روح الزمان ولو كان زماناً مجيداً أو زماناً تعباً تبقى القصيدة الطائر الذي يكشف عن مجمل المكنون جسراً وقنطرة وأفقاً.

هذه القصائد بعناوين مثل “الكرمة” و”زهرة الفل” و”دموع السماء” و”أبطال الحجارة” و”صلاة” و”البنفسجة الطموح” و”رثاء الحي” والمسرحية الشعرية “عمر ونغم” تأخذنا إلى ربى وقمم في النفس والوجود والبيان. حالات تتجلى لأجل تأبيد اللحظة في تعابير ومفردات شعرية.

لا تخفي جمال سليم نويهض (أم خلدون) رموزها وأسرارها أو حجبها بل هناك وصال عفوي ومستدام بينها وبين موضوعها. الشعر هنا هو الوجود والصيرورة وقد غدت كلمات وحروفًا لتعبر عن أحاسيس الروح وآلام الروح وحلاوة الروح.

كتبت جمال سليم نويهض (أم خلدون) القصة والمسرحية والرواية وجاءت إلى الشعر لتعبر عن مطلق يستحيل التعبير عنه بغير الشعر. ربما لأنها أدركت أن كل الفنون تسعى إلى أيقونة الشعر ورمزيته وفتنته. وأن الأحاسيس متى بلغت وارتقت وشفت لن يحتويها سوى القصائد. هذه السوى تجد معادلا موضوعيا لها في معاني الانتماء الإنساني والقومي والحلول في الطبيعة والكون.

ديوان “زيزفونة الدرب” لجمال سليم نويهض (أم خلدون) ديوان يحتفي بالمشترك الإنساني والوطني والجمالي والإبداعي الذي يحققه الشعر وسيظل يحققه رغم كل شيء. بعض الشعر وقوع العين على الأثر، وبعض الشعر ظن واحتمال، وبعض الشعر تمنّع وصراع، وبعض الشعر ضوء في الحياة وسفر في المحال، ولكن كل الشعر روح تترقرق في الكلمات. وبهذا المعنى، تقبل جمال سليم نويهض (أم خلدون) على قصيدتها إقبال الصحو وإقبال المطر وتصنع من المعنى ثرياتٍ ونجوماً. وتكمل الطريق لتكون القافية ماثلة في السياق وفي الفصاحة ذات الشعلة المتّقدة. ولها أن تفلت أنفاسها في أي غرض من أغراض الشعر ومواضيعه بلا قيود حتى يضيء السراج ويستفيض في الغنائية الهادرة من رحاب القصيدة ومن أبوابها ومن أقواسها ومن ينابيعها. وقد احسنت جمال سليم نويهض (ام خلدون) في صنيعتها لأنها جاءت من الصدق والحق والحقيقة. هذه القصائد هي تيجانها الباهرة وانتصاراتها المرة، وهي كنوزنا الباقية بعد انقضاء العمر والتي ستبقى ماثلة أمامنا كحياة مستعادة بالشعر ومزهوة بالأمل ونابضة بالشوق.

***

(*) الشاعرة والروائية جمال سليم نويهض

 (1906 -1994)

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *