مؤتمر “النهضة الاغترابية الثانية – لإبداع من أجل الحضارة والإنسان”/ الورقة 3: الدكتورة عائدة قزحيا حرفوش: “تكريم النّجوم الاغترابيّة، جنود اللغة العربيّة المنتشرين في أقاصي الأرض”
انطلق مؤتمر “النهضة الاغترابية الثانية – لإبداع من أجل الحضارة والإنسان” الذي ينظمه مشروع أفكار اغترابية للأدب الراقي-سيدني ، منتدى لقاء – لبنان، بستان الإبداع – سيدني. يصدر عن المؤتمر كتاب من جزءين او ثلاثة، يضم جميع الأوراق المشاركة، وترسل نسخ منه إلى المشاركين والمكتبات والكبرى. يعقد المؤتمر حضوريا في جلسة واحدة، فور انتهاء الأزمة الصحية، وتقرأ مختصرات الأوراق بالنيابة عن المشاركين المقيمين خارج أستراليا. Xanax
في ما يلي الورقة الثالثة: الدكتورة عائدة قزحيا حرفوش: “تكريم النّجوم الاغترابيّة، جنود اللغة العربيّة المنتشرين في أقاصي الأرض”.

الوطن ليس أرضًا بل هو روح… فلو كان أرضًا لَنَسِيَهُ كلّ المهاجرين والمغتربين ولَما شعروا بالغربة والحنين، وهم الواجدون أرضًا وبلادًا منحتهم جنسيّتها والأمان، وحضارة تحترم حقوق الإنسان، وفيها كلّ مقوّمات العيش الكريم وما يُرضي طموح الإنسان.
وهأنذا أبحث اليوم، في هذا المؤتمر الاغترابيّ عن حروفٍ عذراءَ كي أعبّرَ بوساطتها عن قدسيّة جهاد الأدب المهجريّ، وأخصّ بالذّكر الأدب الدُويهيّ كباحث عن إبرة في أطنان من التّبن، وفي نيّتي ألّا أبخس حقّ جهادكم المقدّس في معركة كربلاء اللّغة حتى ينتصر حقّ الحرف العربيّ اللبنانيّ، إذ جعلتم وطن الاغتراب أندلسكم، تُخصبون جنائنَهُ بعبير تقطير عرق إيمانكم بلبنانيّتكم وعروبتكم أزاهيرَ شعرٍ ونثر وحكمة وفلسفة ، يسكر المرء بجمالها وإتقانها وأصالتها، حيث لا خوف على اللّغة العربيّة ما دامت تتغذّى من لبن عصافيركم الاغترابيّة، ومن نسر الإبداعات الدّويهيّة.
جئتُ اليوم أشارك في هذا العرس الثّقافيّ، في مهرجان الكلمة لأرفعَ قبّعتي احترامًا للأقلام الاغترابيّة الّتي ترفرفُ أعلامًا لبنانيّة اعتزازًا وشموخًا في كلّ مكان، وإكبارًا لروحهم العربيّة.
أمّا أنتم، شعراءَ وأدباءَ الرابطة القلمية: جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليّا أبو ماضي، نسيب عريضة، رشيد أيّوب، عبد المسيح حدّاد، ندرة حدّاد، أمين مشرق… فَتَحيّة كبرى لأرواحكم ووقفة عزّ لأدبكم، فلترقد نفوسُكم بسلام ولتطمئنَّ في مثواها الخالد في أدبنا الّذي نقتات منه زادنا اليوميّ، اطمئنّوا، فقدِ انبعثَتْ رابطتُكم القلميّة مع ورثةٍ حافظوا عليها وأعادوا إحياءها من جديد، وها نحن نحتفل بعودتها ونشعر بفرح العيد.
ولا يسعني في هذه المناسبة إلّا أن أكرّم بدوري تلك النّجوم الاغترابيّة، جنود اللغة العربيّة المنتشرين في أقاصي الأرض، يذودون عن اللغة بسيف حروفهم، ويرفعون لواء وطنهم عاليًا أينما حلّوا، وأقدّم لكم وللوطن لبنان درع الشّكر والمحبّة والتّقدير والامتنان، كما يسرّني أن أقدّم لـ”جبران خليل جبران” درعًا بشريّا من لحم ودم وروح، قد بذل النّفس والنّفيس، وأفنى ذاته بين الكتب والكراريس، وكرّس حياته مجاهدًا في ساح الفنون الأدبيّة على أنواعها، وأهنّئه بالقول: نَمْ قرير العين يا جبران إذ تقمّصتَ فصرت دويهيَّ لبنان.
ذلك النّاسك الدويهيّ في محراب اللّغة العربيّة، حيث عَبَدَ الله في صومعتها فتوّجَتهُ نبيًّا في محرابها.
وإنْ صحّ القول فالأدب الدّويهيّ ليس أفكارًا اغترابيّة، بل هو فلسفة وطن عالميّة. وكأنّي مع العائلة الدّويهيّة أسترجع أسطورة آدم وحوّاء، إذ حمل الكاتب والشّاعر المبدع “د. جميل” زهرته المريميّة وخرجا من الجنّة، ثمّ راحا يصلّيان معًا ويبتهلان ويتصوّفان في معبد الحرف، مجاهِدَيْن ساعِيَيْن وقد حملا وطنهما زوّادة، وحنينهما عبادة، حتى شابت فيهما الرّؤوس ولم تشِبِ النّفوس، وقسَتْ عليهما الظّروف فأينعت في أدبهما الحروف.
عذرًا أيّها المهاجرون عذرًا
لقد دعوتكم منذ نعومة حروفي للعودة إلى الوطن…
دعوتكم وفي قلبي مرارة الشّوق إليكم، وفي عينيَّ دمعة أسًى، دعوتكم وفي حلقي غصّة ألم وحرقة، وفي نبضي لهفة وشوق.
عذرًا أيّها المهاجرون لأنّي رجوتكم وتمنّيت عودتكم بحرارة، وسال دمع قلمي تكرارًا وأنا أواسيكم في غربتكم وأناديكم للعودة إلى وطنكم ولكثرة ما نشجت حروفي رجاءً عدتم…
فهرولت إليكم أضمّكم، أعانقكم وأقبّل الأرض تحت وطء أقدامكم، وأنهيت لقائي بكم بأن رفعت يديَّ إلى الله أشكره على عودتكم سالمين استجابة لرسالة كتبتُها لكم في موضوعي الإنشائيّ الّذي طلبَتْهُ منّي أستاذة اللّغة العربيّة في المرحلة التّكميليّة.
عذرًا.. وألف عذر.. لقد ساوَمتُ على عودتكم بحيازتي على أعلى علامة إنشائيّة ونيلي جائزة وميداليّة.
وعلتِ هتافات التّهنئة وراحت أيادي رفاقي ورفيقاتي وأساتذتي تصفّق بفرح، كيف لا وقد أحرزتُ نصرًا مُبينا حين أعدتُ في موضوعي التّعبيريّ كلّ المهاجرين.
عذرًا أحبّائي المهاجرين إذ خدعتكم عندما صوّرت لكم لبنانَ كما أرجوه أنْ يكون، لا كما هو كائن.
يا لَأنانيّتي!
دعوتكم لتشبعوا من خيرات الوطن ونحن هنا جائعون، في قلوبنا غصّة وفي عيوننا دمعة.
دعوتكم لترتَوُوا من ينابيعه العذبة، ونحن هنا نغسل وجوهنا بدموع القهر والعزاء…
صوّرت لكم أحراج وطنكم الخضراء، وخبّأت عنكم أحراجه الفحماء.
عذرًا وألف عذر، صوّرت لكم الثّلج فوق صنّين، وخبّأت عنكم صور أبنائه العارين، صوّرت لكم نور الشّمس والضّياء، وأخفيت عنكم عتمة قبورنا الظلماء وحلكة الكهرباء.
عذرا… لم أكن أدري أنَّ الغربة سماء الوطن وأنتم أقمارها ونجومها وكواكبها. لم أكن أدري أنّ الشّعراء والأدباء هم قادةُ الشّعوبِ في مملكةِ الفكرِ والإصلاحِ والتّطوير، وأنّهم نسماتُ الفصولِ ورياحُ التّغيير، وأنّهم عُشّاق الكلمةِ، وحماة اللّغةِ العربيّةِ. وأنّهم سراجُ النورِ في عتمةِ دّيجورِ الجهلِ ولوحاتُ الجمال في طبيعة الخيال.
بوركت حناجر أفئدتكم، وصرخات أقلامكم وهتاف حروفكم ومناجاة الله في اشتياقكم.
فأنتم سفراء قلوبنا إلى العالم.
حفظكم الله وأدامكم ذخرًا وذخيرة لنا وللّغة العربيّة وللبنان.
***
*غداً 13-1-2022، ورقة الاديبة مريم رعيدي الدويهي



