سجلوا عندكم

فريدريك نيتشه… من العدمية الى “الانسان الاعلى” (السوبرمان)

Views: 622

وفيق غريزي

في ضوء التحليل ينبغي أن يكون موقفنا من تفكير الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه (1844 -1900) وفق ما يقوله الدكتور فؤاد زكريا، وهو: “أن ندرك أن نزعته اللاعقلية كانت تبدو ضرورية بالنسبة الى عصره، والى الفهم السائد فيه، وقبله، للعقل، أما بالنسبة الى عصرنا الحالي، فلا بد أن نقابل مثل هذه الحملة بالنقد”.

والباحث محمد الشيخ، يسعى في كتابه “نقد الحداثة في فكر نيتشه” الى رفع الحجب أو بعضها التي اعترت فكر نيتشه، وذلك بالعودة الى فكره بالذات من غير وساطة. فلقد آن الاوان، بعد صدور اعمال هذا الفيلسوف الكاملة مترجمة ومحققة، أن يعمد الباحث محمد الشيخ المهتم بفكر نيتشه الى الوصل مع متن الفكر والى القطع مع اشتات آرائه. وقد نتج عن ذلك امران: اولهما: عمل هذا الكتاب على الاستجابة الى نداء نيتشه الداعي الى أن تقرأ اعماله، على تشذرها البديع، بضرب من القراءة “النسقي”، وذلك بحيث لا تؤخذ الشذرة المفتتة من هنا لتتعارض بتلك هناك، وإنما تقرأ قراءة الوهلة الواحدة بالنفس الواحد. وثانيهما: حاول الباحث الشيخ اعادة بناء فكر نيتشه بكامله بدءًا من بسائط مفاهيمه، وقد قادته في هذا البناء الجديد انظار نيتشه في الحداثة تعريفا وتوسيعا ونقدا.

 

المدخل الى فكر نيتشه

من بين المداخل الممكنة والمتعددة لفكر نيتشه الشاب امكان اعتبار كتاباته المبكرة، ولا سيما منها الاعتبارات المناهضة لراهنها غير المساوقة لزمنها، سجالا ضد الهيغلية بما هي فلسفة الرضا بالواقع، وتبجيل الحاضر، وتقريظ الدولة، ففي هذه التآليف المبكرة اتهامات صريحة للفلسفة الهيغلية، ويشير الباحث الشيخ، الى انه يتبدى من استقرار تاريخ الفلسفة، أن الفيلسوف، بما هو بالضرورة رجل الغد اوبعد الغد، وجد نفسه على الدوام عدوًا لمثال يومه: أي أنه كان ضمير عصره الناقد ووعيه الشقي، وبه يتضح، أن دور الفيلسوف عند نيتشه ما كان أن يثمن العوامل الزمنية المجايلة له، وانما “أن يحارب عن وعي كل العوامل الزمنية” وأن مطلبه هو أن يهزم في ذاته روح زمنه.

ويؤكد الباحث أن الفيلسوف ليجد المتعة كل المتعة في ما يسمح له بالانتصار على الحاضر، لا في ما يسمح له بالاندماج فيه، فقد تحصل أن على الفيلسوف المتوحِّد المعتزل زمانه واهله أن يتفادى “كل محاولة لأن يحيا في الحاضر، وأن يتآلف معه “وأن يتحاشى” بذل ادنى مجهود أن يتقرب من أهل ذلك الزمان وغايته، وفي هذا السياق يقول الباحث الشيخ: “والحال أن نيتشه ما كان عن هذه القاعدة بمعزل، فلطالما اعلمنا بانه عد نفسه دوما من هؤلاء الذين لم يشعروا قط انهم من مواطني هذا الزمان.  ما ترك نيتشه مجالا من مجالات الحداثة إلا قومه، من الموسيقى الحديثة الى البيداغوجيا الحديثة، ومن التاريخ الحديث الى المسرح الحديث، ثم الاخلاق الحديثة والحرية والفضائل والرذائل والثقافة الحديثة الخ.. واستمر نيتشه يذم الحداثة والحداثيين ويسميهم “البرابرة المحدثين” ويسمي الحداثة “البربرية الحديثة”، واستمر يتهكم من ارائهم وافكارهم ويسفه احلامهم ويزري ما عندهم حتى سمى نفسه “ديوجين الحديث”.

 

هدم مفاهيم فلسفة التاريخ البدئية

بدءا، لما انبنى مفهوم التاريخ الكوني بما هو قطب الرحى الذي عليه مدار فلسفة التاريخ، على مفهومي: “الكونية” أو “الكلية” او “الجملة” و”سبر العالم” فإن نيتشه عمد الى تفكيك هذين المفهومين. فكان حسب رأي الباحث أن رأى، في مايخص مفهوم الكلية ما اوضحه اعلاه. وأما القول بسيرورة تاريخية، فقد وجد نيتشه أنه إنما هو مجرد “تعلة” لتبرير نظام حكم قائم. “خذ مثلا فلسفة التاريخ الهيغلية، لأن انت تدبرينها لوجدت انها قامت على تصور”تفاؤلي”  للتاريخ كان من شأنه أن يقود حتما الى تبرير الدولة البروسية بما هي الغاية التي لا محالة التاريخ الكوني قائدا اليها مؤد “.

والحق أننا لو أمعنا النظر في مضامين هذا المفهوم، لوجدناه قائما على التصديق القبلي بأوهام خصت الانسان، منها: انه الكائن الوحيد الحر في عالم الضرورة، وأن له القدرة دون سواه على اتيان العجب من الأمور إن خيرا او شرا، وأنه يشكّل في الكون الاستثناء والامتياز، أي أنه هو الحيوان “الاعلى الاشرف”، بل هو الرب الكامل الربوبية، ومنها، أنه مانح القيم للوجود، اليه يعود فضل وهب الخليقة المعنى، ومن ثمة كان وجوده ضرورة، اذ هو مفتاح سر لغز الكون، وهو مروض الطبيعة ومتملكها. هكذا يعلمنا الباحث الشيخ، فدكَّ نيتشه اوائل مفاهيم فلسفة التاريخ ” الكلية “و”المسار الكوني” و”النظام الاخلاقي” و”التاريخ الكوني”، وما اكتفى بهذا بل هو اعمل مطرقة النقد والهدم ليهوي بها عل المفاهيم المنهجية التي تتوسل اليها هذه الفلسفة، من منطق او عاقلية وسببية أو علية وقصدية او غائية ووعي ومسؤولية.

 

نيتشه وغواية الاخلاق

ما نسي نيتشه أن يلحظ منذ بدء كتاباته الفلسفية (1869) الى نهايتها في غيابات الجنون (1889) على امتداد عمر كتابته المكانة المتميزة التي حظيت بها الاحكام الخلقية في تاريخ البشر وحضارتهم وثقافتهم. والحال من وجهة نظر الباحث أننا لو استقرأنا تاريخ البشر لوجدنا أن القيم الاخلاقية هي التي فرضت نفسها عليه بضرب من الفرض المنظم اكثر من غيرها، وذلك حتى بدت وكأنها فطرية في الانسان لا كسبية،وحتى صار كل تنقيب فيها ضربا من ركوب منزع اللااخلاقي، ما جعلها تبز كل القيم الاخرى بل تتلبس بها وتوجهها، وما جعل التاريخ البشري “حقلا لسيادة الحكم الاخلاقي المطلقة على كل الاحكام”. كان المقصود بأمر نقد الاخلاق، التشكيك فيها تشكيكا. ذلك انه لما افتضح امر هذا التشكيك المزعوم ظهر انه ضرب من ملاعبة الاخلاق لنفسها، وعلى الرغم من أن نيتشه تحدث مرارًا عديدة عن نقد الاخلاق، وعن التشكيك في الاخلاق، يقول الباحث الشيخ “ما قصد النقد الاخلاقي، لا ولا التشكيك الاخلاقي، بل الحديث ضد الاخلاق، قصد (ومن خارج الاخلاق عنى)، أي نقد الاخلاق من موقع ما وراء الخير والشر”، أي ما وراء الاخلاق، أي لنقل من الاخلاق بمعزل، وذلك شأن أن يلاحظ الناظر قد يكون ترك الادب أدبا، أو تكون الاساءة الى الأدب بالادب”.

ولقد حرص نيتشه على التمييز بين عالم الاخلاق او دارسها، وبين داعية الاخلاق او الواعظ الاخلاقي، وان شان عالم الاخلاق هو اولا وقبل كل شيء، انه انسان ينشىء رأيه عن الاخلاق بمعزل، أي أنه يحكم على موضوعه بصرف النظر عن كل تقيد بمبادىء الاخلاق، والا سقط هو في شرك الاخلاق ذاتها، فصار واعظا. وبحيث انه كان هدف دعاة الاخلاق اقناع الناس بفساد امرهم من الجهة الاخلاقية، وان عليهم اتباع علاج اخلاقي، فان الاخلاقيين يدعون، بالضد من ذلك، الى الزهو بفقد الناس الثقة في الاخلاق وصيرورتهم عن الاخلاق بمعزل، بل انهم ليدعون الى تكوين الاخلاق، وبه يتبين أن دور عالم الاخلاق ” هو التاريخ للاحاسيس الاخلاقية، وذلك ببيان اصولها واظهار تعقد بساطتها الظاهرة، مثيرا الانتباه الى تداخل بواعثها والاوهام الفكرية التي من شأنها أن تنسجها “.

ومن شأن المفكر الاخلاقي في مشروع نيتشه، سواء دعا الى الاخلاق السائدة او نادى بمثال يقوم على نقدها، أن يظل ينتمي الى القطيع، وذلك حتى وان كان هو راعي هذا القطيع. ولهذا يؤكد الباحث: انه لا بد للمرء أن يخلق المسافة بينه وبين الظاهرة الاخلاقية، مثلما “يعمد طبيب الى الابتعاد عن الاعتقاد في المشعوذين وفي معتقد مس الشيطان للانسان”.

 

الحداثة والانسان النظري

منذ أن بدأ الانسان يعلم ذاته من حيث هو كاين مفكرًا او عارفًا، ومنذ أن شرع يميز نفسه عن غيره، رأى في انصاف نفسه بصفة الفكر والتعقل ما به فارق الحيوان البهيم. اذ بقدر ما كان يفكر بعمق، ويدرك الاشياء بدقة كان يقدر نفسه، وكان يرغب في أن يتميز عن الحيوان مسافة، ويرى لذاته شانا، ويعتبر نفسه الكائن العبقري بين الحيوانات”.

ويعتقد أن الشأن في وجوده أن يقترن بدرك كنه العالم والعلم به، ذاك هو الانسان بما هو حيوان عارف او مفكر، او ناظر”. وهو الانسان الذي يسميه نيتشه تارة انسان المعرفة وتارة انسان الحقيقة، أي الانسان النظري، ان الانسان النظري هذا انما قام كيانه على مصادرات منها: امكان او لنقل ضرورة وحاجة، المعرفة للانسان. وما زال الانسان يفعل حتى صار هو الانسان. المعرفة، أو الانسان العارف، وصارت مسألة المعرفة عنده قضية وجودية، أما هو يعرف أو يموت، فهو اذن أوقف حياته على المعرفة، بها يحيا وهي غاية وجوده. أولم يجعل ديكارت شعار فكر الذي به يعرف هو”انا افكر، اذن انا موجود” قارنا الوجود بالمعرفة او الفكر.

ويوضح الباحث الشيخ، أن ذلك هو الانسان الناظر بما هو الانسان الشغوف بالمعرفة النازع اليها المتعلق بها، والناظر بشغفه هذا يجد انه يثوي خلفه ما يسميه نيتشه تارة باسم نازع المعرفة، وتارة اخرى بميسم الشغف بالمعرفة، وطورا ثالثا بميسم محبة المعرفة. وكلها تدل على التعلق بمعرفة الأشياء، وجعل الشغف بالمعرفة غاية الوجود. ويخلص الباحث في تحليله الى أن الانسان النظري هو الانسان الذي اوقف حياته على المعرفة وحدها، ولم ير من سبيل الى العيش سوى عيش المعرفة، وقد قام هذا الانسان مقابل طرازات بشرية أن نحن استنبطناها، بالسلب، وجدناها الانسان الفنان.. والانسان التراجيدي.

 

الانسان الاعلى (السوبرمان)

الانسان الاعلى ” السوبرمان ” اصطلاح عنى به نيتشه ضربا من الطراز البشري اعتدلت طبيعته واستكملت قوته، اوجده ليعارض به اصطلاح “الانسان الاخير” من حيث هو “الانسان

الحديث” أو “الانسان الطيب” أو “الانسان العادي” الذي قال به المسيحيون والعدميون. ولم يكن يقول الباحث: “ليقصد به مثلما ادعى ذلك الكثير من النظار، طراز “الانسان المثالي” الذي شق منه قديس والشق الاخر عبقري، ولا المعنى البيولوجي الدارويني، ناهيك المعنى البطولي الاخلاقي الذي يعكس معنى رومانسيا بما افاد عبادة البطل على نحو نجده عند توماس كارلايل ( 1795- 1881).

إن تفوّق الانسان على نفسه، وتجاوزه لذاته ولمرضه ذاك هو الانسان الاعلى. لكن لمّا كان “الانسان كائنًا يجب أن ينشا عنه ما يجتازه ” ولما كان “الانسان هدفا وغاية، أن هو الا كائن عابر”، قد نشأت عن هذه الفكرة فكرة “الانسان الاعلى” ولان ما كان حال الانسان الاخير مرغوبا فيه، وانما هو تادي اليه اثقاله كاهل الاشياء بمعان غيبية سرعان ما ابانت عن خوائها، فإن الانسان الأعلى متجاوز العدمية، صار امرًا مرغوبًا فيه، مطلوبًا. يقول نيتشه:

“إنني لا احفل بالسؤال عمن يمكن أن يحل محل الانسان، وإنما سؤالي هو: أي نوع الانسان يلزم أن يصطفى ويراد ويهذب”. ومن ثمة حديث نيتشه المتكرر عن الانسانية المقبلة بوصفها انسانية مصطفاة منتقاة مشذبة. وعن الانسان الحالي بما هو عند زرادشت مادة لا شكل لها أو هيولى او مادة خام تنتظر من ينحتها ليخرج منها اعلى طرازاتها القوية الممكنة. (Clonazepam)

إن الانسان العادي هو الجسر بين الحيوان والانسان الاعلى، وهي صدفة او استثناء في التاريخ إي هذا الانسان الأعلى…

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *