تمدّد الصراع بين حلفي شمال الأطلسي ووارسو
د. إيلي جرجي الياس
*الحلقة 19 من سلسلة القيادات الروسيّة والسوفياتيّة 1900-2022، رؤية تحليليّة واستراتيجيّة!!
الحرب العالمية الثالثة، ستكون بالضرورة نووية بالكامل، ومدمّرة لكوكب الأرض بشكل شامل، لذلك تكاد تكون مستحيلة الحدوث، خصوصاً على ضوء تداعيات الحرب العالمية الثانية القاسية والطويلة الأمد، وخصوصاً تجربتي الأميركيين في استعمال القنابل الذرّية في هيروشيما وناكازاكي، وما خلّفتا من دمار وأضرار وموت وخراب…
رغم ضراوة الحرب الاستخبارية بين الجبّارين خلال الحرب الباردة الأولى 1947-1991، جهد الأميركيون والسوفيات، ومن خلفهما طبعاً حلفا شمال الأطلسي ووارسو على تنظيم الخلافات رغم توسّعها وترابطها، لكي لا تحدث مفاجأة رهيبة تؤدّي إلى حرب عالمية ثالثة غير متوقّعة…
ورغم الحدّ من فرص المواجهة الكبرى، إلّا أنّ الخطر ظلّ قائماً بطبيعة الحال، ولو بنسب متدنية للغاية… “كانت المواجهة بين حلفي وارسو وشمال الأطلسي كما هي الحرب بينهما، باردة!! ولكنّها تشتعل في مناسبات مفصلية، لتهدأ في غالب الأحيان، لكنّ الكلّ على سلاحه، والصراع الاستخباريّ قائم حكماً!!

الحرب العالمية الثالثة!
في السابع من تشرين الثاني 1983، تجمع نحو مئة من كبار ضباط الجيوش في مقر حلف شمال الأطلسي (ناتو) في بروكسل لـخوض الحرب العالمية الثالثة. كان ذلك عبارةً عن تدريب محاكاة عسكريٍ سنويٍ يُعرِفَ باسم “أبِل آرتشر” في ختام مناورة عسكرية واسعة النطاق بالأسلحة التقليدية، أُطلِقَ عليها اسم ضفدع الخريف، وشارك فيها عشرات الآلاف من جنود قوات الحلف في أنحاء مختلفة مما كان يُسمى وقتذاك أوروبا الغربية. وقد أُجري تدريب أبِل آرتشر 83 في وقتٍ تصاعد التوتر على صعيد الحرب الباردة. فالعلاقات بين دول حلف وارسو من جهةٍ، وبلدان الناتو من جهةٍ أخرى، كانت بالسوء الذي طالما اتسمت به. ففي وقتٍ سابقٍ من ذلك العام، أطلق الرئيس الأمريكي رونالد ريغان على الاتحاد السوفياتي لقب إمبراطورية الشر. ووفقاً للسيناريو الخيالي الذي قامت عليه مناورة أبِل آرتشر 83، تمثل العامل الذي أدى لنشوب الحرب المُفترضة في اندلاع اضطراباتٍ وفوضى في منطقة الشرق الأوسط تقود لإحداث ضغوط على إمدادات النفط الواصلة إلى الاتحاد السوفياتي. ويتزامن ذلك مع اتخاذ يوغوسلافيا – التي كانت تتبنى موقفاً غير منحازٍ لأيٍ من طرفيْ الحرب الباردة – قراراً بدعم المعسكر الغربي. وبحسب رؤية واضعي تصور المناورة، يؤدي ذلك إلى أن يخشى القادة السوفيات من أن يفضي الموقف اليوغوسلافي إلى تدافع باقي دول أوروبا الشرقية للسير على الدرب نفسه، مُحوّلةً الولاء من حلف وارسو إلى حلف الأطلسي، بما يضع النظام الشيوعي كله في خطر.

استخدام الأسلحة النووية
وتبدأ الحرب المُتخيلة وفقاً لهذا السيناريو، عندما تعبر الدبابات السوفياتية الحدود إلى داخل يوغوسلافيا، ثم تغزو الدول الإسكندنافية بعد ذلك. ولا تلبث القوات السوفياتية أن تتدفق على أوروبا الغربية، لتُجبر قوات الناتو على الانسحاب من فرط ارتباك تلك القوات من ناحية وقلة أعدادها من ناحية أخرى في مواجهة الجنود السوفيات. وبعد أشهرٍ قليلة من نشوب هذا الصراع العسكري المُفترض، تجيز الحكومات الغربية استخدام الأسلحة النووية.
في وقت لاحقٍ من اليوم نفسه، عاد القادة العسكريون لقوات الناتو إلى ديارهم، وهم يتبادلون التهاني لإجرائهم مناورةً عسكريةً ناجحةً أخرى. لكن الحكومات الغربية لم تكتشف سوى في ما بعد أن تدريب أبِل آرتشر 83 العسكري كاد أن يتسبب بشكل خطير في إشعال حرب نووية حقيقية. ويمكننا الاستعانة هنا بما يقوله نات جونز مدير مشروع تطبيق قانون حرية المعلومات بمعهد أرشيف الأمن الوطني بالعاصمة الأمريكية واشنطن، وهي منظمةٌ مستقلةٌ غير هادفةٍ للربح، ويقول جونز في هذا الصدد: هناك أدلةٌ على أعلى المراتب والمستويات في الجيش السوفياتي تفيد بأنهم كانوا يجدون صعوبةً متزايدةً في التمييز بين التدريبات والهجمات الفعلية.

تخوّف سوفياتي من ضربة نووية حقيقيّة
نكدس الآن مجموعةً من الوثائق التي تؤكد أن السوفيت كانوا مذعورين حقاً من أن الغرب سيشن ضربةً نوويةً. ويقول جونز: عثرت على وثيقة لأندروبوف يقول لضباط الـ كي جي بي فيها أولويتكم الأولى هي ألا تُخفقوا في رصد مقدمات ومؤشرات ضربةٍ نوويةٍ.. كُلِفَ عملاء الـ كي جي بي بأن يحاولوا رصد ذلك، ويرفعوا تقارير في هذا الشأن كل أسبوعين. طالما ظلت هناك أسلحةٌ نوويةٌ، سيبقى خطر نشوب حرب ناجمة عن حسابات خاطئة قائماً.

لحظات مصيرية في التاريخ العالميّ، كادت أن تشعل الحرب العالمية الثالثة، ولو بطريقة غير مقصودة، خصوصاً أنّ على رأس الاتحاد السوفياتي شخصية قيادية استخبارية من الطراز الأوّل هو يوري آندروبوف، بينما عمل الرئيس الأميركيّ رونالد ريغان على استفزاز السوفيات إلى أقصى حدود ممكنة!! ولو أنّ أسرار هذه التجربة تكشّفت لاحقاً على المستويين العسكريّ والبحثيّ!! (legendsofbasketball.com) وبالرغم من المحاولات الجادّة والدائمة لمنع اندلاع أي شكلٍ من أشكال الصراع المفتوح يؤدّي حكماً إلى اندلاع الحرب العالمية الثالثة، النووية بشكلٍ خاصّ، والتنسيق الضروريّ بين الجبّارين في هذا المجال، فإنّ المخاطر ظلّت موجودة رغم نسبتها المتدنية!!” (من مقالتي العلمية: الحرب الباردة تمتدّ والمواجهات الاستخباريّة تشتدّ (1975-1990)، الدراسات الأمنية، مجلة فصلية محكمة، تصدر عن الأمن، العدد 86، نيسان 2021، ص 137، 138).

***
* د. إيلي جرجي الياس، كاتب، وباحث استراتيجيّ، وأستاذ جامعيّ.



