سجلوا عندكم

من أمجاد الزمن الجميل: الأخوان رحباني سفيرا “مهرجانات بعلبك الدولية” إلى أميركا الجنوبية

Views: 341

المحامي معوض رياض الحجل

يَعودُ تاريخ المهرجان إلى مُنتصف القرن العشرين مع تنظيم أول أنشطة تحضيرية في العام 1955. بعد عامٍ واحد أطلقَ رئيس الجمهورية اللبناني الراحل كميل نمر شمعون الاسم الرسمي، أي “مهرجانات بعلبك الدولية”، التي أصبحَت مؤسسة حكومية رسمية هدفها الأساسي تشجيع السياحة والثقافة اللبنانية. أقيم المهرجان سنويا في تموز وآب على أنقاض المعابد الرومانية. 

عادت فعاليات “مهرجانات بعلبك الدولية” إلى مجدها وعظمتها في العام 1959 بعد أنقطاعٍ قصري بسبب أحداث ثورة 1958 الدموية، وعادت معها الحركة والديناميكة الخلاقة للفن الشعبي اللبناني التراثي بمُشاركة العديد من الفنانين والموسيقيين على رأسهم الأخوين رحباني والسيدة فيروز الذين أحيوا حفلتين بعد حفلات بعلبك الخمس، كانتا الأُوليين لهم، في “معرض دمشق الدولي” في أيلول من العام نفسهِ. 

إعلان حول الحفلات المرتقبة في أميركا الجنوبية

 

شهدت “مهرجانات بعلبك” سنة 1959، ولادة ما يُسمى بـــ”الفرقة الشعبية اللبنانية” التي سُجِّلت رسمياً في أمانة السجل التجاري في أوائل العام 1960. أسّس الأخوان رحبانيأي عاصي ومنصور هذه الفرقة الفنية بالتعاو نمع المُخرج والمُنتج الفني صبري الشريف (1922-1999)، وكان هدف الفرقة الجوهري إحياء شامل وغير مسبوق للتراث الشعبي اللبناني والعربي.

كان لصبري الشريف دور كبير أيضاً في إنتاج البرامج التلفزيونية والإذاعية، والمسرحيات الغنائية للسيدة فيروز، ومن أبرزها مسرحية “بياع الخواتم“، وبعد ذلك أستمرَ التعاون الفني والابداعي بينهم لتحويل المسرحية إلى فيلم أخرجه المُخرج العالمي الراحل يوسف شاهين عام 1965. ويقولُ الراحل الكبير منصور الرحباني في مقابلةٍ معهُ: “أريد أن أشهد، للتاريخ، إن لصبري الشريف، هذا الرجل المُبدع، فضلاً عظيماً على الموسيقى اللبنانية”.

رسالة ترحيب ورفع القبعة للفرقة اللبنانية في البرازيل

 

حفلات مهرجانات بعلبك في العام 1959 عِبارة عن مشاهد مسرحية غنائية يطغى عليها الطابع التراثي اللبناني، مُقسمة إلى فصلين: الأوّل من تأليف وتلحين الراحل زكي ناصيف وقائد الأوركسترا توفيق الباشا، مع مُشاركة جزئية للسيدة فيروز والأخوين رحباني. أما الفصل الثاني، فتولى الأخوان رحباني التحضير لهُ بشكلٍ كامل: تدورُ قصة هذا الفصل حول فتاةٍ قرويّة بسيطة تدعى «هيفا» (السيدة فيروز) تسرقُ قلوب الفتيان، فيسرقون عنزتها. تمضي “هيفا” في كل مكان للبحث عن العنزة الضائعة، وحين ينكشفُ أمر السارقين، يَحكمُ المختار (الفنان الراحل وديع الصافي) على الفتيان بالرقص وعلى “هيفا” أي فيروز بالغناء. 

يتضمن الفصل حوارات غنائية ومشاهد مضحكة مع فيلمون وهبي ودبكات وأغنيات للسيدة فيروز («يا قمر أنا وياك»، «ما في حدا»، «يا تلال صنوبر»، بعضها بنسخ آلاتيَّة: «حبيتك والشوق أنقال»، «غمارنا عكتافنا تزيد»، «يا مايلة عالغصون»، «هيك مشق الزعرورة»). كما يُشارك في الغناء كل من  الفنان الراحل وديع الصافي (البير…)، والمُغنية الذائعة الصيت وقتها “رنده” والفنان نصري شمس الدين.

 

كان قدر مهرجانات بعلبك الدولية بعد كل هذا التألق والأبداع الأنطلاق بخطواتٍ ثابتة إلى العالمية إلى ما وراء البحار، إذ مُنذُ تأسيس ” الليالي اللبنانية” عام 1957، بدأت لجنة مهرجانات بعلبك والحكومة اللبنانية التفكير جدياً بالطواف بالاخوين رحباني والسيدة فيروز على بلاد الأغتراب لتقديم نماذج عن هذه الاستعراضات الغنائية الجميلة. أبصرَ هذا المشروع الرائد النور في العام 1961 بَعدَ عرض “البعلبكية” وفأنطلقت الرحلة إلى عواصم ومدن أميركا الجنوبية: ريو دي جانيرو، ساو باولو، وبوينس أيرس.

ولا بد هنا من الاضاءة على يوميات هذه الرحلة الفنية لفهم التحديات التي كان يواجهها الفنان مهما كبرَ شأنهُ في ذاك الزمن الجميل حيث لا مكان للخوف من المجهول ما دامَ الفنان يختزنُ بداخلهِ ثقة بالنفس وأرادة صلبة لتخطي الصعوبات والمشقات لتحقيق هدف نبيل وراق هو نشر الثقافة الفنية اللبنانية في جميع أقاصي الأرض وبين الشعوب من مُختلف الحضارات والثقافات. واليكم الحكاية:

الأثنين 9 تشرين الاول 1961، مطار Galeao

الساعة الثامنة والنصف صباحاً حطت طائرة DOUGLAS DC-8 تابعة لخطوط PANAIR DO BRASIL رقم الرحلة 39 على متنها ما يُقارب الثمانون راكباً: أعضاء “فرقة مهرجانات بعلبك” من أداريين وفنيين مُرافقين الأخوين رحباني والسيدة فيروز لعرض مُنقح لـــــ “ليالي بعلبك اللبنانية” في أميركا الجنوبية. الأستاذ صبري الشريف تولى أدارة الفرقة، منير أبو دبس– عراب المسرح اللبناني الحديث – مُستشار فني، سلوى السعيد نائبة رئيسة المهرجانات والمسؤولة عن لجنة الفلكلور، نجيب حنكش المُغترب السابق… الصحافة بالانتظار برفقة عرابي المشروع بينهم دبلوماسيون لبنانيون، مثلَ جوزف نفاع ومنصور شليطا. شرحٌ مُقتضب عن تاريخ الفرقة المُكونة حديثاً وعن برنامجها، الرقص، الموسيقى والغناء الشعبي اللبناني، ونجمتها من دون مُنازع السيدة فيروز. 

 

الكلام قليل، الجميع مُنهك من طول الرحلة من بيروت إلى البرازيل والوجهة هي أوتيل  GLORIA للراحة والتحضير والمُتابعة. أما الصحافة فالموعد معها طويل في اليوم التالي للوصول.

الثلاثاء 10 تشرين الأول 1961، نقابة الصحافة البرازيلية

الساعة الحادية عشرة صباحاً، الموعد في الطابق السابع من المبنى. القاعة صغيرة، المصورون والصحافيون في كل زاوية والمنصة مُكتظة: فيروز بين عاصي الرحباني وسلوى السعيد، منصور إلى جانب عاصي وصبري الشريف إلى جانب السعيد ومُمثلون عن السفارة اللبنانية. لم يبدأ المؤتمر بعد، نجيب حنكش خلف الأخوين رحباني المُبتسمين، فيروز خجلى. (mdconnected.ca) سلوى السعيد وصبري الشريف على أتم الأستعداد. يبدأ المؤتمر بعرضِ فيلم قصير وثائقي عن مهرجانات بعلبك لعام 1960: فرقتا OLD VIC  و ROGER PLANCHON للمسرح، أوركسترا شتوتغارت لموسيقى الحجرة، أوركسترا الاذاعة الفرنسية، الباليه الملكي البريطاني و”موسم العز” تأليف الأخوين رحباني. تتحدثُ بعدها السعيد عن دور الحكومة اللبنانية التي موّلت، في سابقة أولى، هذه الرحلة إلى أميركا الجنوبية. ثم يستفيض صبري الشريف بالكلام عن طبيعة الحفلات المُنتظرة وعن دور عاصي ومنصور الرحباني وأسباب أختيارهما سفراء للموسيقى اللبنانية ويتحدثُ عن فيلم ORFEU NEGRO (الذي الفَ موسيقاه توم جوبيم ولويز بونفا، من أغانيه MANHA DE CARNAVAL التي ستُصبحُ “شو بخاف” بعد أربعين عاماً، على يد زياد الرحباني) ونجاحهِ الكبير في بيروت ويُقارن تجربتي مُعالجة الفلكلور في البرازيل ولبنان. ينتهي المؤتمر ويقترب المصورون من السيدة فيروز، صورها سوف تتصدر الصحف. 

 

الأربعاء 11 تشرين الأول 1961، المسرح البلدي

بدأت التمارين المُكثفة منذ الصباح الباكر، الأفتتاح في اليوم التالي الساعة التاسعة مساءً، ثلاث حفلات على المسرح البلدي وحفلة مُختصرة في 15 تشرين الاول في نادي الجالية اللبنانية CLUBE MONTE LIBANO. جوزف رباط، مُصمم الازياء والديكور، يُراقب المسرح من زاوية بعيدة، صبري الشريف يتحدث لاحدى الصحف المسائية، عاصي الرحباني موجود في كل مكان. المُنشدات نواة الفرقة الشعبية، الهام حنا الرحباني (شقيقة الأخوين رحباني)، سهام شماس، خانم غلاييني وهدى حداد(شقيقة السيدة فيروز)، مرحات عفويات. فيروز مُتأهبة. يَصدحُ صوتها فجأة ” غنينا غنى العمر المُشتاق وحن…” سميرة بعقليني، غيتا دايه ونهاد شهاب، راقصات الصف الاول، نجمات ذاك الوقت، يتمايلن ويرتعد المسرح تحت أقدام الراقصين. البرنامج دسم والفرصة نادرة وأستثنائية، الامال كلها مُعلقة ومُركزة على ” رحيل الالهة ” المشهد الأول من أستعراض ” البعلبكية ” الذي تتخللهُأغنيتي ” بعلبك ” و ” راحوا” والذي قدم في آب:بعد أن تتهدم هياكل بعلبك ويهجرها الهتها، ترى هل ترحل ذات الصوت الجميل معهم أم تبقى، وتسعد وتشقى الناس”.

 

“رحيل الالهة”

لم تستسغ لجنة مهرجانات بعلبك موضوع “البعلبكية” عندما عرضهُ الأخوان رحباني عليها كونهُ يبتعد عن الأجواء الريفية التراثية التي طبعت “الليالي اللبنانية” السابقة، لكن حجة عاصي الرحباني كانت الأقوى: الميتولوجيا هي أيضاً جزء من التراث الشعبي. وفي البرازيل، لفتت بالفعل موسيقى المشهد المذكور الصحافة، وأعتبرهُ كثر ذروة الحفل فكتب الناقد الموسيقي EURICO NOGUEIRA FRANCA “: بدأ الفصل الثاني، قبل رفع الستار، صوت رهيب أنطلقَ في القاعة وبعدها كانت دراما موسيقية غنية فيها جميع عناصر الاوبرا ” وقالت مجلة JORNAL DE LETRAS ” يستحقُ العرض الذي شاهدناه كل مديح والموسيقى التي سمعناها بعيدة عما يُسمى فولكلور وأسلوبها ينم عن دراسة وعلم. أما “رحيل الالهة” فكان وقعهُ رائع، ومؤثراتهِ الالكترونية مدهشة”.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *