سجلوا عندكم

قراءة في ديوان “نسماتٌ عميقة” للشاعر محمد وهبة

Views: 367

كريم عبدالله – العراق

( الشعر حياة أزلية تجري في وجودنا كي نعرفها معرفة أثيرية ظريفة كمعرفة الأم للأبن ، أو العاشق للمعشوق ، فهو ابتسامة قبل أن يكون معرفة ، وصمت قبل أن يكون كلاماً ، والشاعر هو ذلك الذي يحبس نَفَسه في صدره ولا يتحول لمدة طويلة من الزمن إلى أي شخص آخر – كريستيان بوبن ) .

مادام الإنسان منهمكاً بشهواته ورغباته ، يظلّ في مرحلة النفس ، ولكن حينما يجتاز الشهوات ويرتقي إلى مرحلة أعلى ، ويصل إلى عالم العقل ، وحينها يزداد رقياً ، يصل إلى مقامات القلب والروح والسرّ . الشاعر يشبه الناي الذي ينفخ فيه الحبيب ، فتخرج أجمل الألحان والكلمات ، هكذا هو الشاعر اللبناني : محمد وهبه ، يشبه الناي ، وهكذا هي نصوصه الشعرية في هذا الديوان التي تشبهُ أنغام الناي .

 

هذا الديوان ( نسمات عميقة ) يحتوي على ( 58 نصّا شعريا ) ، وحين قراءتها بتمعن ، نجد بأنّ جميع نصوصه احتوت على المفردات / الحبّ / القلب / العشق / ماعدا ثلاثة نصوص خلت من هذه المفردات الثلاثة ، فمثلاً مفردة / الحبّ / ترددت في هذا الديوان ( 95 ) مرّة ، ومفردة / القلب ترددت ( 85 ) مرّة ، ومفردة / العشق ترددت ( 32 ) مرّة . في فاتحة الديوان ( الإهداء ) ترددت مفردات / القلب / الحبّ / اثنا عشر مرّة ،  بواقع ( 6 مرّات لمفردة – القلب ، و6 مرّات لمفردة – الحبّ / مما يدلّ على كمية الحبّ الذي يكتنزه الشاعر في قلبه النابض بالحيوية والعشق والمحبة والسلام / أهدي كتابي هذا إلى زوجتي وحبيبتي وأم أولادي على دعمها المستمر وقلبها النابض بالحبّ والعطاء وصبرها ووقوفها بجانبي وتحملها مرّ الحياة وصعوبتها معي / . ونقرأ للشاعر في نصّ / أبجدية بالية / .. سيجتها بخفقان قلبي / وهمس حبّي / تبقى الحروف متواضعة / أمام جبال عشقي / تُجاه قلب حبيبتي . ونقرأ له ايضاً في نصّ / إحساسي لحبيبتي ثوبٌ / .. (https://stratnewsglobal.com) إحساسي أشجار حبّ / أسقيها حروف قلبي / كلماتها خطوات درب / ثمارها لوحات عشق . وايضاً نقرأ له في نصّ / أركان الحياة / .. الحبّ جامعٌ / وكنيسةٌ / الحبّ دير وكنيس / الحبّ معبد ومزار / الحبّ ملاك . وفي نصّ / أضغاث أحلام / أخذتها إلى قلبي / غير مصدق ما حصل / كانت مشاعري تغلي / ودقات قلبي / اسرع من الصوت . وفي نصّ / الزمن والقدر / نقرأ له / حبيبتي سأطرد الوقت / وأجعل حبّي / يمكث في قلبك . وكذلك نقرأ للشاعر في نصّ / تنكّر الحزن / أمعن في حصاد حبّي / أخفى ابتسامتي / خلف كل بعيد / مع أنني أحترمه وأحيانا أحبّه / كما أحبّ الحبّ . نرى هنا بأنّ الشاعر يصرّ أنْ كان يدري أو لا شعورياً على استعمال هذه المفردات والألفاظ في نسيجه الشعري / الحبّ / العشق / القلب / وكما هو معلوم فأنّ لكل لفظ أو كلمة يقولها الشاعر معنى واحد بحسب العرف الاجتماعي ، ولا تدلّ على أكثر من معنى معين ، غير أنّ انفتاح باب المجازات واتساع دائرة الاستعارات يمهد الطريق لاكتشاف معان جديدة ،  ولكن لابدّ من الانتباه إلى الأمر التالي وهو إنّ المفردات ذات المعنى الواحد حينما تقع متلاحقة في نظام خاص متسق ، يمكن أن توفر فرصة لظهور معان جديدة كثيرة ، ولهذا السبب باستطاعة الشاعر أن يصل من خلال الالفاظ المحدودة والكلمات المعينة الى معان غير محدودة ولا متناهية ، فنقرأ للشاعر في نصّ / جلسة مع أفكاري / .. كانت ! / من بطولة حبيبتي / أنظر اليها من بعيد / بعيون كلّ الدنيا / بقوة الحبّ / في أثيث العشق / مع الحنين والخيال . وفي نصّ / جنوني العاشق / في عالمنا / وحيدين / مع عشقنا وجسمنا / متحدين الى الابد . وفي نصّ آخر بعنوان / حبّك مزيّف / نقرأ للشاعر .. اعتكفت أحاسيسي / في مضاجعها / اعتزلت الغرام / تقاعد قلبي / قدّم استقالته . وفي نصّ اخر بعنوان / حروف متحررة / نقرأ .. كلّما زاد / إحساسي تكاثرت / في أعشاش عشّاقها / في نظرات قارئيها / من قلبي عبر قلمي / تولد ثم ترسل / ثم ترقد / في خير القلوب .

إن هذا الديوان عبارة عن نسمات ينبض بها القلب مسرعاً ، ويجعلنا نحلّق عالياً في عالم نقيّ جميل ، نسمات قوية قد تصل الى حدّ الألم والشكوى، فنقرأ للشاعر في نصّ / دموع سريّة / مزيفة على الوجوه / آهات أقصى صداها / داخل القلوب / مداها يتشتت بالروح / يجري مع الدماء / تنبعث منه رائحة الحزن . هذا الديوان يجعلنا نبتسم ، وكأننا أطفال صغار نحلم كثراً بعالم من النقاء والصفاء ، أنه عبارة عن عاطفة كبيرة ، عميقة ، ثابتة في سويداء قلب الشاعر ، تفيض حناناً استطاع الشاعر أن يعبّر عنها اصدق تعبير ، والبوح بها دون تردد أو خوف أو خجل أو تحفظ ، لأنها صادقة وجارفة ، فنقرأ للشاعر في نصّ / سيّدة حبّي هي / .. سيّدتي / أنت نكهة حبّ / في قلبي / أنت قلم وحرف / على جداري / أنت روح راقية / أنت فهرست حبّ / في كتاب عمري / أنت رحيق زهر / في أعماقي . لقد استطاع الشاعر أن يعبّر عن مشاعره بـ/ نسمات ـ همسات / عميقة / للحبيبة بلغة هادئة متزنة عذبة ، جعلها تخترق القلوب وتدخلها دون استئذان ، أنها همسات حلوة ، ومشاعر رقيقة رسمها الشاعر : محمد وهبة ، دون تلغيز أو تكلّف .

 

كلّ نصّ في هذا الديوان عبارة عن خفقة قلب / حذبة صوفية ، وكأنّ قلب / الشاعر ـ درويش / تنبض في جميع قصائده إلّا في ثلاثة نصوص ، ربما لا شعورياً طلب قلب الشاعر أن يتركه ليستريح قليلاً ، لقد كان قلب الشاعر يلهث ويدقّ بقوة في جميع نسيجه الشعري .

إنّ الحبيبة حاضرة في جميع النصوص وبقوة ، فنحن أمام دفقات حبّ مستمرة ، ودعوة يطلب من خلالها الشاعر الى نشر ثقافة الحبّ والاحتكام الى لغة القلب ، اننا أمام رقّة المفردة وجمال الكلمة التي طرحها الشاعر في قالب الشعر ، فظهرت في أجمل صورة وأعظم شكل ، أننا أمام صوت الروح وصرخة المشاعر الروحانية ، أنّ هذا الديوان جرعة خمر تُسكر القلوب بشوقها ، أنه ابتسامة العاشق للمعشوق وللحياة والأمل والجمال ، أنه لغة مبتسمة ، أن نسمات الشاعر المخزونة في أعماق نفسه والحبيسة في قلبه ، تندلق عفوية ، رهيفة ، عميقة ، جيّاشة من الصفحة الأولى للديوان الى آخره ، أنه حديث الذات الشاعرة المسكونة بالشعر والحياة والأمل ، أنه الصمت الناطق .

لقد كان الشاعر: محمد وهبه في ديوانه هذا / نسمات عميقة / كالدرويش ، يدور ويدور ويدور حول الحبيب ـ المعشوق ، ان الحقيقة العظمى تتبلور في الكلام ، والكلام العميق يكشف عن تعالي الإنسان وعمقه ، هكذا كان الشاعر في ديوانه هذا ، أنه حديث الشوق والمشاعر العميقة المحمّلة بالأحاسيس

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *