مفاعيل الحرب الروسية الأوكرانية وتأثير القرارات الدولية في التوازنات الإستراتيجية

Views: 684

العميد الركن م. صلاح جانبين

تتزايد الأحداث وتتسارع التطورات وتتفاقم المخاطر وتتعاظم يومًا بعد يوم، بدءًا من الحرب الأوكرانية الروسية وأسبابها ومفاعيلها، ولا تنتهي بإنقسام الغرب والشرق بين مؤيدٍ ومعارض، وبين داعمٍ للحرب بطريقة مباشرة وضخ كل إمكاناتهم للمجهودات الحربية، أو بطريقة غير مباشرة بالإمداد والدعم عدّة وعتادًا لهذا الفريق من جهة، ومن جهة بالحصارات العسكرية والتضييقات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، وتبادل الإتهامات لكلا الجانبين باستعمال الأسلحة المتطورة والمدمرة الفتّاكة والمحظّرة كالنووية والذرية والجرثومية والقذرة، بل تخطّت الإنقسامات والاصطفافات العامودية لمعظم الدول العظمى(الولايات المتَّحدة الأميركية ومعها فرنسا وألمانيا وبريطانيا يقابلها روسيا ومعها الصين وإن بشكل غير ظاهر بالإضافة إلى غموض وضبابية بعض الدول والمواقف الحيادية للبعض الآخر كالمملكة العربية السعودية ودولة الامارات والبحرين وغيرهم الذين أعلنوا عدم تأييدهم لأوروبا في مواجهة روسيا)، حتى وصلت تلك الإنقسامات إلى المحافل الدولية أيضًا، والممثلة بمجلس الأمن، والهيئة العامة للأمم المتَّحدة، والمنظَّمات الإنسانية ومعاييرها المزدوجة في متابعة الأحداث وتقييمها على مستوى العالم، وآخرها كان للمنظمة الدولية المصدرة للنفط (أوبك) وقرارها الأخير من قبل المشاركين فيها بتاريخ 6 تشرين الأول من العام الحالي 2022 بالعمل على تخفيض الإنتاج بمعدل 2 بالمائة من الاستهلاك العالمي أو ما يعادل مليوني برميل يوميًّا، على عكس ما تطلبه أميركا بزيادة الضخ لتثبيت سعر البرميل وتخفيض سعر النفط، والتي جاءت بعد أقل من شهر على تفجير خط الأنابيب لنقل الغاز” نورد ستريم2″ الذي تتغذى به أوروبا من روسيا. 

فمن هو المستفيد من إطالة أمد الحرب؟ ومن هو المستفيد من تفجير خط الأنابيب ووقف ضخ الغاز بخاصة أننا على أبواب فصل الشتاء القادم الشديد البرودة أوروبيًا؟ وهل الاقتصاد الممثل بالنفط والغاز الذي أشعل فتيل الحرب بين أوكرانيا وروسيا، واصطفاف الدول من هنا ومن هناك لبسط النفوذ ونشوة الإنتصار تؤدّيان إلى تكرار الحرب العالمية المدمّرة التي نخشاها؟ ومن هو المستفيد من القرار الأخير للدول المصدرة للنفط بخفض انتاجها ثالثًا؟

للإجابة على هذه التساؤلات لا بدّ من إلقاء الضوء على منظمة الدول المصدِّرة للنفط(أوبك)وهي اختصار لــ Organization of the Petroleum Exporting Countries‏ (OPEC).

 

التأسيس والمهمات 

منظَمة حكومية دولية مؤلّفة من 13 دولة، تأسّست في 14 أيلول 1960 في بغداد من قبل خمسة أعضاء فقط، (إيران، العراق، الكويت، المملكة العربية السعودية وفنزويلا)، ومقرّها الرئيسي فيينا في النمسا منذ العام 1965، رغم أنَّ النمسا ليست عضوًا فيها. غير أنَّ الدول الأعضاء الثلاثة عشر هي (الجزائر، أنغولا، غينيا الاستوائية، الجابون، إيران، العراق، الكويت، ليبيا، نيجيريا، جمهورية الكونغو، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتّحدة وفنزويلا) وانضمام كل من الإكوادور وإندونيسيا وقطر إلى المنظَّمة وتوسيعها في العام 2016 تحت إسم “أوبك بلاس” لزيادة السيطرة على سوق النفط الخام العالمي من قبل كل من أذربيجان، البحرين، بروناي، كازاخستان، ماليزيا، المكسيك، عُمان، روسيا، جنوب السودان والسودان؛ جميعهم قد استحوذوا على حوالي 44% من إنتاج النفط العالمي و81.5% من احتياطيات النفط في العالم اعتبارًا من أيلول 2018، ما أعطى المنظَّمة تأثيرًا كبيرًا على أسعار النفط العالمية التي حددتها سابقًا ما تسمى بــ «الأخوات السبع» وهي مجموعة شركات نفط متعدّدة الجنسيات مقر خمس منها في الولايات المتحدة الأميركية.

تتمثل مهمة المنظَّمة في :

  • تنسيق السياسات النفطية للدول الأعضاء وتوحيدها.
  • ضمان استقرار أسواق النفط، من أجل تأمين إمداد فعّال واقتصادي منتظم من أجل المستهلكين، ودخل ثابت للمنتجين، ومردود مالي عادل للذين يستثمرون في صناعة النفط.

لقد شكَّل تأسيس منظمة ” أوبك” نقطة تحوّل نحو السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية، ولقراراتها التأثير القوي والدور البارز في سوق النفط العالمي والعلاقات الدولية، بخاصة عندما تؤدي الحروب أو الإضطرابات العامة إلى انقطاعات في الإمداد.

 

إطالة أمد الحرب ومعاناة الشعوب

طالت الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت منذ أكثر من ستة أشهر، وامتدّ أمد الصراع، وتعقّدت العلاقات بين المتحاربين وأحلافهم من الغربيين والشرقيين، وتدنّى مستوى التقارب والتفاوض لخلق وابتكار الحلول والتفتيش عن خيارات أخرى سلمية بسبب تشنّج وتعنّت الأفرقاء المتصارعين ما زاد من معاناة الكثير من الشعوب بخاصة بعد تفجير خط أنابيب النفط نورد ستريم 2 وتوقف ضخ الغاز إلى العديد من الدول الأوروبية، حتى وصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية نفسها، لجهة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد من جراء ارتفاع أسعار المحروقات واستعمال جزء من المخزون النفطي الاحتياطي، ما أدّى إلى ارتفاع في أسعار المحروقات والمواد الغذائية وكل ما يرتبط بالتصنيع النفطي والغازي ليس في أميركا فحسب، بل على الصعيد العالمي أيضًا. وما زاد الطين بلّة ما اتُّخذ من قرارات لدول مجلس التعاون الخليجي وحياد بعضها أو نأيها بنفسها عن الأزمة الأوكرانية الروسية، باستثناء ما بادر به بعض حكام الخليج تجاه الفريقين بغياب أي دور ملموس للإتحاد الأوروبي ، لا بل تعمّقت الخلافات بين الدول الأوروبية بسبب أزمة الغاز الروسي وعدم توافر البديل بالإضافة إلى عدم فعالية الأمم المتحدة في طرح مبادرات معيّنة لاحتواء الأزمة مستفيدًا من حالة الفراغ المشار إليها.

وما قرأنا عنه مؤخرًا وشاهدناه على شاشات التلفزة من تقارب سعودي روسي يشكّل مدخلًا للتفسيرات والتحليلات وكأنه تغييرًا سلبيًا وأزمة سياسية عاصفة في العلاقات قد تنشأ أو نشأت فعليًا بين أميركا ودول مجلس التعاون خصوصًا مع السعودية، وقد ظهر ذلك من خلال:

  • رفض ولي العهد السعودي رفع معدلات انتاج النفط كما تريد الولايات المتّحدة.
  • توّسط ولي العهد أيضًا لدى روسيا للإفراج عن بعض أسرى الحرب من دول المغرب، أميركا، بريطانيا، السويد وكرواتيا، حيث سُلّموا إلى بلدانهم من قبل المملكة.
  • الدعوات التي يطلقها بعض أعضاء الكونغرس الأميركي لوقف صفقات السلاح مع السعودية.
  • تلميح الرئيس الأميركي، جو بايدن للقيام بإجراءات ضد الرياض على أثر قرار أوبك+ الأخير خفض انتاج النفط، والذي شكّل صفعةً للدبلوماسية الأميركية التي حثّت السعودية بشكل خاص على زيادة انتاجها من النفط والذي برّرته السعودية عبر وزير خارجيتها بأنه كان قرارًا اقتصاديًا بحتًا وليس له أية دوافع سياسية. 

لا شك أن الطاقة ستظل العنوان الأوسع للعلاقات الدولية، بخاصة مع ارتفاع الطلب على النفط والغاز من جهة، وشبه غياب للجهود الباحثة عن بدائل منافسة تغطي حاجات العالم من الطاقة من جهة ثانية. غير أنه لم يعد العامل الوحيد لتأطير العلاقات بين الدول، بل السياسات والمصالح والتوازنات الاستراتيجية هي المعتمدة والأساس، بخاصة إذا ما نظرنا إلى الدول المصدِّرة للنفط وسياساتها ومواقفها من الحرب الأوكرانية الروسية غير المعلنة، وتحالفاتها الجيوسياسية والعسكرية، أقلّها غير الظاهرة منها، ناهيك أنَّ الولايات المتّحدة الأميركية على أبواب إنتخابات في ظلِّ تصاعد النزاع السياسي القائم بين الجمهوريين والديمقراطيين وأثرها العام في المنطقة.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *