سجلوا عندكم

وجيه فانوس

Views: 708

فيصل طالب

 صديقي وجيه.. أيّها الغائب غيبةَ الجسد، الحاضرُحضْرَةَ الروح والظلال. بمثلك يأتلق الأدبُ في ربيعه الزاهر، وبرحيلك يتّشح النقد بغُمّة الفقد.

أيّها المتوغّلُ في دروب البحثِ عمّا ينفع الناس ويمكث في الأرض. قد أسرجتَ جواداً من الحب، وهمزتَه في مفازات الارتحال إلى مقاصد الرضا، لتعبرَ الجسورَ المعلقة بين الصمت والصهيل، ولو كان ما بينهما بحرٌ من القهر والعبث والهذيان، فتلملمَ شتاتَ الحروف لتكتبَ قصيدةَ العمر، وتجمعَ بقايا الوقت متمرّداً على الضمور والانكفاء.

أيّها المنداحُ في عروق المرتجى اندياحَ الماء في الأرض العطشى، المتوسّلُ إشعالَ شمعاتٍ يجرحُ ضوءُها عتمةَ القلق المستشري في ثنايا النكوص والارتكاس.أيّها الحارسُ الأمينُ في مملكة الثقافة، وقد نُصِّبتَ عاسّاً من عسسها يحرس أبوابها من عبث الطارئين والمتطفّلين، ويطوفُ في ظلام هذا الزمن الرديء حاملاً مصباحَ ديوجين، ناهراً كلّ أفّاك لئيم.

كم عَدَوْتَ يا صديقي لاهثاً وراء طيف الترياق المداوي لجرح الاغتراب النازف من إدمان الخيبة والإخفاق! كم استسلمتَ للسفر المغامرعلى هدى الساعين إلى إيداع توقهم الجميل عرزال المستحيل حتى يصير ممكناً! كم حَلَمْتَ بالقبض على أزمّة الزمان لاصطياد الضوء وإحياء أطلال السواقي! كم حلمتَ بحقول لا تُسحق فيها الأزهار ولا تُعتقل الفراشات! كم حَلَمْتَ بوطن لا يرتفع فيه جدارٌ بين الزهر والفوح وبين الحب والبوح، بين الغمام والمطر وبين المبتدأ والخبر…! لكن الحلمَ يا صديقي باقٍ عصيٌّ على الانكسار، لأنّه ليس جسداً تُقيّد يداه بأصفاد الهزيمة. الحلمُ طيفُ أمٍّ ضاعَ في كومات الضباب، وراح طفلها يبحث عنها بتَيْه العينين ورجاء اللقاء.

كم تعبتَ يا صديقي وأنت تنقّبُ عن آبار الرجاء في صحراء النكران والتخلّي، وتجهدُ مع أقرانك المخلصين كي تفتحَ شجرةُ التين ذراعيها لأفواج العصافير وليس لفؤوس الحطّابين، وتقاومُ زماناً يكثر فيه النفاقُ، ويستشري الشقاقُ، ويتقزّم العمالقةُ، وتتعملق الأقزامُ، ويسود الرويبضةُ، ويُظلمُ أهلُ الفضل والمعرفة!

كم أقلقك يا صديقي اتساعُ أزقّة الحواشي وضيقُ ساحات المتون، وكدّرتك إشراقةُ الشمس من خلف الدخان، وأتعبك الوقوفُ على حدود الانتظار، ورسمُ بكائياتِ الوجع المنتحبِ على الجدران المتهالكة للآمال الضائعة! لكنّك عرفتَ كيف تفتكُ بالرتابة، وكيف تستفزّك المعاني الغائبة، فتبحرُإليها فوق لجج الصعاب، لأنّك أيقنتَ أن الطموحَ لا يسافر على “طريق الحرير”، وأنّ الإبداعَ لا يرتادُ غيرَ الضفّة الأخرى للحياة، ولأنّك آمنتَ بأن المعادلَ الموضوعيَّ لعشق الحياة هو البذلُ الذي ليس له حدود. ولذلك فإنّ جدولَ العطاء الذي رقرق على مدى عمرك الزاهي لن يدانيه النضوب، لأنّه تحوّل بعد رحيلك إلى سيل من الحب لا يستقرّ إِلَّا في تردّدات الزمن المفتوح على الأبدية.

فيا أيها الجمع الكريم

من تمرّس بالعطاء لا يغيب، بل إنّ غيابَه ينضح حتماً بحضوره، لأنّ أصدقَ تجليّاتِ الحضور وأعمقَها هو في الغياب! لكأنّ الحضورَ الواقعيّ لا يقارن ب”الحضور الغيابي”، ولأنّ ما يميّز الكبارَ من الهامشيين هو تلك المفارقةُ اللافتة: الهامشيون أطيافُ بَهَتٍ في حضورهم، والكبارُ حقائقُ زهْوٍ في غيابهم! لكأنّهم عندما يغيبون يولدون من جديد؛ لكن هذه المرّة من رحم الزمان!  

بيروت– المكتبة الوطنية

٧– ٨ – ٢٠٢٣

***

(كلمة ألقيت في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الأمين العام السابق لاتحاد الكتّاب اللبنانيين د. وجيه فانوس).

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *