بين شباك وباب
د. جان توما
كان باب الدار مدخل العالم، تخرج منه إلى الداخل. ما عادت المطارح تسع الأحلام. كان دفء البيت مرمى بساط الريح، وفانوس علاء الدين، حول منقل النار، وكبكوب صوف الجدّة، وحكايات الجدّ وبطولاته.
كان شباك الدار عين البيت وأذنه. يرى ويسمع، ولا يتكلّم. فَقَدَ شفتيه ونطقه، منذ نزل إطلالة في قلوب المنتظرين العائدين من سفر، أو رؤية وجوه أحباب تعود من بعد ألف غياب.
راحت مصطبات البيوت، وتنكات الحبق والمردكوش وعطر الليل، وما زرعته أيدي الأمهات لمعالجة البثور، أو أوجاع الحلق أو البطن، ففي بركة الزرع عند المصطبة كان الترياق، حبّا ورعاية ولطفًا. كانت ركوة القهوة جامعة الناس، بكرة وعشيّة، يقرأون خطوط الفنجان المقلوب، وهم عارفون أنّهم في استقامة حق، وقناعة عيش، ورغد حياة.
بين شباك وباب، مضى كثيرون إلى الغياب. انفتحت القارات كالنوافذ، ودبّ الصوت لرفاهية، فمضت الوجوه النابضة خيرًا وصحة إلى وراء الحجب. (https://lsu79.org/) ما زال قفل الباب مشتاقًا لرنّة مفتاح، وما زالت برداية النافذة تسأل عن الأنامل التي ربّت وصلّت وتعبت.
راحت قناديل السهر، وتفرّق العاشقون، ما بال العمر يبدو تعبًا، كالعتبة الحاملة قنطرة البيت؟.هذه قنطرة فرحى، رغم ألمها، لأنّها غرفت من عَرَقِ العابرين، ومن بوح الياسمين، ومن مساكب عطر الليل.
***
*الصورة من كاتي جعيتاني فرنجية- استراليا