سجلوا عندكم

هيمنة الراوي الناقد في رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”

Views: 697

إبراهيم رسول

تعتمد رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيبِ صالح على تقنيات سردية عديدة، وهذا التعددُ جعل منها رواية متعددة القراءات الإبداعيّة، والتعددُ يعني أنَّ المبدعَ ماهرٌ في البناء الفني لعملهِ الذي خلّده في ذاكرةِ الأدب التي لا يبقى عالقًا فيها إلاّ العمل النوّعي الذي يُقاوم الزمن بتقنياته وآلياته، فهذا العمل البديع هو عملٌ خلّاق واِستطاع أنْ يأخذَ مكانته في عالم السرد وإضافة إلى هذه المكانة المرموقة لاقى مقبولية كبيرة عند النقاد الذين تناولوا الرواية وأعجبتهم كثيرًا، وكتبَ مجموعة منهم قراءات نقدّية كشفت جوانب مضمرة في الرِّوايةِ.

الروائيُّ هو المهيمنُ الأكثر حضورًا وأعلى صوتًا، وإنْ كانَ هذا الحضور والصوت قدْ جاءَ بصورةٍ ضمنية مختبئة بقناع الشخصيات أو بقناع الجوّ العام لخطاب الرِّواية. قدرة المبدع على تضمين شخصيته بهذا القناع يدّل على حِنكته ومهارته الفنّية في البناءِ، لأنَّ الراوي العليم أو قلْ الراوي المهيمن لمْ يستهلْ ذاته في الحديث كثيرًا، فالكاتبُ وَظفَ وعيه وثقافته ومعرّفته في توجّيه الخطاب الروائيّ بهذه الصورة غير النمطيّة، تارة تكون الهيمنة مستبدّة مُقيّدة لحرّيةِ الشخصيّات الروائيّة، وتارة تكون الهيمنة غير مستبدّة، لا تُقيّد الشخصيات، وتعطيهم مساحة واسعة من التحرّك الحرّ، وفي كلا الحالتين لا بُدَّ أنْ يكون المؤلف المبدع على وعيٍّ كبيرٍ في البناءِ والصياغة والأسلوب.

الرِّوايةُ تحكي قصّة قدْ لا تكون غريبة أو غير مألوفة، بلْ هي من القصص التي لها ماضٍ عميق في الذاكرة العربيّة، والترّحل بين بلدان الشرق والغرب، هو عملٌ قديمٌ كان يتم عبر التجارة، أما حديثًا فصار التنقل يتمّ عبرَ العلم والبحث عنه، ونيل الشهادات العُليا فيه.

 

التلاقح الثقافي

 تسردُ الرواية قصّة ذهاب شخصية من السودان إلى أوروبا وعودته منها، وطبيعيٌ أنْ يحدثَ التلاقح الثقافي في ذاته بين ثقافته المحليّة المنغرسة فيه والثقافة الجديدة المُكتَسَبة، وهذا التمازج يوّلد حالة من ردِّ الفعل الانعكاسيّ الذي تكون لهُ اِرتدادات عكسية سلبية أو إيجابيّة، الشخصيّة لمْ تعبّرْ عن قصّتها بلسانها، بلْ جاءَ التعبّير عن هذه القصّةِ بلسان الراوي المهيمن في الخطابِ العام للرِّوايةِ.

الهيمنةُ في الخطابِ أو التسلّط تُقيّد حرّكيّة الأحداث في الرِّواية، إذ تجعل منها في كثير من الأحيان رواية سيرة ذاتية، إلّا أنَّ هذه الرواية وَظفت للشخصية وظائف محوريّة مهمة لا يمكن أنْ يقومَ بعملها الراوي العليم، لهذا نجحت الرواية في هذه الميزة التي مكّنتها من أنْ تبدو كأنَّها عملٌ متكامل البناء يقاوم الزمن ويستمرّ في ديناميكيته المؤثرة. 

الشخصيّة المركزية في الرِّواية هي شخصية مصطفى سعيد، الطفلُ الذي نشأ يتيمًا إلاّ أنَّ علامات النبوغ والمعرّفة بدت منذ طفولتهِ مما يؤهله إلى السفر إلى مدينة الضباب لندن للعلم والمعرّفة، هذا اليتم له دلالة أنَّ الطفلَ على الرغمِ من فقده لوالده الأب إلاّ أنَّه استطاعَ أنْ يكوّنَ له منزلة رفيعة، هذا الطفل الذي نشأ في قرية نائيةٍ من قرى السودان وتعايش معها وتشكّلت معرفته ونظرته في الحياةِ والكون منها يسافرُ إلى الغرب بشرقيتهِ الذي أخذها معه، إلاّ أنّه لمْ يقفْ موقف المندهش المنذهل، فهو كانَ قدْ دخلَ الغرب على بصيرةٍ من ثقافتهم، فالمتأمّلُ في الخطاب الذي يضمره الشخص المهيمن وهو الراوي العليم يجعل من الرواية تبدو وكأنَّها تتعمّد هذه اللغة في بثِّ خطابها على لسان شخصية مصطفى سعيد، الراوي ناقدٌ لتخلّف الشرق وناقدٌ لاستعلاء وتغطرس الغرب، هذه الرواية كشفت الجانب السلبي والإيجابي المتواجد في الشرق والغرب على حدٍ سواء. الراوي على الرغمِ من وعيه ومعرّفته إلّا أنَّ شرقيته بقيت تنغّص عليه حياته، فالنزوع الثقافي القروي السوداني كان يرافقه في أطوار حياته المتعددة.

 

وراء الستارة

المتأمّلُ في الروايةِ وعلى نحوٍ أخصّ في شخصية مصطفى سعيد، يجدُ أنَّها تقتربُ مع هذا الراوي المتسترّ الذي أخفى تفاصيله الشخصيّة عن القارئ وبقيَ يقف وراء الستارة دونَ أنْ يعربَ عن ذاته بعض الشيء، ألاّ أنَّ الأمر الذي نرجّحه هو أنَّ هذا الراوي هو المؤلف الطيب صالح بشخصيّته وذاته ونفسيّته وروحه، تجد التقارب والتماثل بينه وين شخصية مصطفى سعيد يقترب لدرجةِ التطابق التام أو الكُليّ، وكثيرةٌ هي المرّات التي حدث فيها الاتصال السردي بين الراوي والشخصية، الذي يُعرّف أنَّه: تبادلُ المعلومات بين شخصين أو في الحد الأدنى عقدُ صلةٍ بين شخصين، ولا بد في الاتصال من شروط : أولها وجود رسالة موجّهة من مرسِل إلى مُرسَل إليه، والثاني أن يكون المرسل إليه قادرًا على فهم الرسالة (معجم مصطلحات نقد الرواية، د. لطيف زيتوني)، فالاتصالُ قد حدث بين شخصية المؤلف الذي هو الطيب صالح الراوي العليم ومصطفى سعيد بوجود الرسالة الموجّهة للمتلقي، فالرسالةُ هي النقدُ الضمنيُّ الموجّه لكلا الحضارتين الشرقية والغربية على حدٍ سواء، إلا أنَّ الاستعمالات الدلالية التي يستعملها في نقد الحضارة الغربية كثيرة بالمقارنة الاستعمالات في نقد الحضارة الغربية.

إنَّ طريقته التي يضمر فيها الخطاب هي طريقة إبداعية مضمرة غير ظاهرة مباشرةً، فهو ينقدُ لكن برمزية بديعة، يقول في الرواية صفحة 30 من طبعة الأعمال الكاملة التي طبعتها دار العودة في بيروت سنة 2004 ما نصه: كنت ألعب مع الصبية خارج دارنا، فجاء رجلٌ على فرسٍ، في زيٍّ رسميٍّ، ووقفَ فوقنا ، جرى الصبية وبقيت أنظر إلى الفرس وإلى الرجل فوقه. سألني عن اسمي فأخبرته، قال لي كم عمرك، فقلت له لا أدري. قال لي: هل تحب أن تتعلم في المدرسة؟ قلت له: ما هي المدرسة؟ فقال لي: بناء جميل من الحجر وسط حديقة كبيرة على شاطئ النيل، يقرع الجرس فتدخل الفصل مع التلاميذ. تتعلم القراءة والكتابة والحساب، قلت للرجل: هل ألبس عمامة كهذه؟ وأشرت إلى شيء كالقبة فوق رأسه، فضحك الرجل وقال لي: هذه ليست عمامة. هذه برنيطة، قبعة. وترجّل من على فرسه ووضعها فوق رأسي، فغاب وجهي كله فيها. ثم قال الرجل: حين تكبر وتخرج من المدرسة، وتصير موظفًا في الحكومة، تلبس قبعة كهذه، قلت للرجل: أذهب للمدرسة.

 

مجموعة من التأمّلاتِ

نستطيع أنْ نقرأَ هذا النص قراءة ثقافية فتتكون لدينا مجموعة من التأمّلاتِ أو التساؤلات التي لا تحتاج إلى جوابٍ معلّبٍ جاهز، لأنَّ ميزةَ النقد الثقافيّ أنَّه يُثير الأسئلة غير النمطية، فنحلل النّص ونتساءل، هذه التساؤلات تعددت فمنها:

أوّلًا: جاءتْ مفردة “رجل” بصيغة النكرة دِلالة على أنَّه غريبٌ عنهم، وأنّ الفعل “جاء” بمعنى أنَّ المُبادرة كانت منه، أي الرجل الغريب الذي قصدَ دارهم، وهذا الرّجل أكبر منهم وهم صبية، بمعنى الفرق شاسعٌ بين صبية يلعبونَ في باب دارهم وبين رجلٍ كبير راشد يجيء إليهم.

ثانيًّا: جاءَ هذا الرجل على فرس، وليسَ راجلًا، ومفردة ووقف “فوقنا”، إشارة إلى سموّهِ ورُقيِّهِ عليهم، فهو أعلى وهم أدنى، وهي تنطبقُ على الفرق بين الثقافتين، فثقافة عليا وثقافة سفلى كما يقولها الناظر الناقد للثقافتين.

ثالثًا: السؤال عن الاسم والعمر، دليلٌ على أسلوب جديد وطريقة جديدة للتقرّبِ والتزلف إليهم، والسؤال هل تحبّ المدرسة، يعني الفرق بين العلم والتلقين، المدرسةُ مكان العلم والمعرّفة والسؤال والجواب، وطريقة استنكار الطفل للعدمِ معرّفتهِ بما يُسمّى مدرسة، إشارة إلى كبير الفرق بين الثقافة التي أنشأت المدارس وخرّجت الطلاب، وإشارة إلى ثقافة لا تعرف اسم المدرسة حتَّى، والأغرب هو الجواب الاسترسالي الذي يُجيبه الرجل، الذي يعرّف المدرسة بأنَّها بناءٌ جميل من الحجر وسط حديقة خضراء كبيرة قريبٌ من شاطئ النيل.

رابعًا: السؤال التنكري الذي يقوله الصبي، هل ألبس عمامة كهذه؟ وضحكة الرجل بأنّها قبعةٌ وليست عمامة! إشارة إلى السخريّة من لبس العمامة التي تُشير في سياق النص هذا على العلوم التقليدية الدينية، وفرقٌ كبيرٌ بين العلوم الكلاسيكية والعلوم الحديثة.

خامسًا: ترجل الرجل، ووضعه القبعة على رأس الصبي، وأنّها غطت رأسه ووجه كلّه، إشارة واضحة إلى أنَّ العلمَ عندَ هؤلاءِ أكبر من أنْ تحمله رؤوس أولئكَ، وهنا يجيء النّص يعبّر عن حالة الامتلاء حد الفيضان بالعلمِ والمعرّفةِ والثقافةِ.

 

قراءةٌ لسياق ثقافي

هذه الإشارات أو التساؤلات الخمس التي قرأنا بها النّص، هي قراءةٌ لسياق ثقافي، وبغير هذا السياق لا تستطيع أنْ تفهمَ النّص وفق منظور العصر الجديد والمعاصر الذي نعيشه، فالملاحظُ لهذا النّص يجد التقارب بين النّص ودلالته واضحة بيّنة.

هذه واحدة من الدِلالات التي أضمرها الراوي الناقد التي عبّرَ عنها ضمنًا، هذا الراوي المهيمن هو راوٍ وظفَ ثقافته ورؤاه الثقافيّة على النّصِ. إنَّ الثيمةَ المركزية هي الفرق أو المقارنة بين الثقافتين، ثقافة الشرق والغرب، والحوارُ الذي دارَ بين بنت مجذوب وود الريس، هو حوارٌ يكشف عن صورة من صور الفرق بين الاثنين، ولكن اللغة حادّة وقاسية، إذْ جاء الراوي مُختبئًا بعقلية ولسان بنت مجذوب حيث تقول له (إلى ود الريس): أنت تفلح في الكلام، ولا بد أنك تجري وراء النساء لأن بضاعتك مثل عقلة الاصبع، فقال لها ود الريس: لو أنك تزوجتيني يا بنت مجذوب لوجدتِ شيئًا مثل مدافع الانكليز، فقالت بنت مجذوب: المدافع سكتت وقت مات ود البشير. أنت يا ود الريس رجل مخرّف، عقلك كله في رأس ذكرك، ورأس ذكرك صغير مثل عقلك(الرواية: 93)، في هذا النّص الذي يختبئ الراوي العليم ويتقنع بشخصية بنت مجذوب، يكشف عن جانبٍ مهمٍ من جوانب العقلية العربية الشرقية، وما أقساها من كلمة حين تصف بنت مجذوب العقل الشرقيّ أنَّ حجمه حجم رأس ذكر الرجل! هذه الكلمة تضمرُ استعلاء العقل الغربيّ وعودة إلى تأكيد المدلول الأوّل الذي يُقارن فيه، العلم والعقل الغربي مقارنة بالرأس والعقل الشرقي، فالقبعة حينما غطت الرأس والوجه هي ذات الفكرة التي تنتقص من العقل الشرقيّ بسبب صغرهِ.

 

هيمنة متسلّطة

الراوي العليم مارسَ هيمنة متسلّطة على خطابه روايته العام، والفكرةُ التي تأخذ مكان المركز هو هذه الصور التي يُقارن فيها بين العقلين، عقل ينتج العلم والمعرّفة ويصدر علمه ومعرّفته إلى الآخر سواء بحكم القوّة أم بحكم الظروف التي تفرض أثرها وتأثرها على مصير الشعوب، إذْ وصلَ الحال به، أنْ غيّرَ وحرّف بالآيةِ القرآنية لتتماشى مع نقده الضمني، فيقول في الرواية ص 88: وقال في كتابه العزيز: النسوان والبنون زينة الحياة الدنيا.

هذه الكلمةُ لها من السخرية ما لها، أنْ جعلت من الجنس هوس الرجال بالنساء وشغفه بهم، هذه الحالة التي تختصر العقل الشرقي بالجنس، هي حالة شاذةٌ لا تنطبق على جميع العقول الشرقيّة، لأنَّ صفةَ التعميم خاطئة ولا تمثل إلاّ صورة من صور التكهم وإطلاق الأحكام غير المستندة على أدلةٍ حقيقية ومنطقية.

 قدْ يتساءل المتلقيّ عن هذا الخطاب الذي يضمرُ كلّ هذه الأشياء التي جاءت كأنَّها أحكامٌ مطلقةٌ، وهذه السخرية والانتقاص من العقل الشرقيّ بهذه الصورة لا تبدو منطقية، يجب ألاّ ننتقد العقل الشرقيّ لأنَّه شرقي ولا للعقل الغربي لأنَّه غربيّ. 

الروائيُّ الطيّب صالح، هيمنَ كثيرًا على الخطابِ العام والثيمة المركزيّة في الرِّوايةِ، إذْ لا يمكن أنْ يكونَ صوت شخصيّة مصطفى سعيد بهذه الرؤى الثقافيّة التي يبّثها بين ثنايا الحوارات التي تدور بينَ الشخصيّات، فهذا الأسلوبُ هو الشخصُ الكاتبُ المبدعُ، لأنَّ لغةَ الخطاب تكاد أنْ تكون حاضرة وبأثر واضح جدًّا، هذه الهيمنة تجعل من الرِّواية تقتربُ إلى اللغةِ المُباشرة، ويُعاب على العملِ أنْ يقتربَ إلى المُباشرة إلّا أنَّ الرمزيةَ العاليةَ العميقة التي يكتبُ بها تبعدهُ عن هذه العلّةِ التي تُؤثر على قيمة العمل الفنّية، وما يُميّز هذه الرِّواية أنَّها تعتمدُ على لٌغةٍ رمزيةٍ مُكثفةٍ، وهذه الرمزية تنفتح على أبواب تأويليّة كثيرة. تبقى صورة الشخصية التي رسمها الكاتب في مخيّلتهِ الإبداعيّة صورة من صور المقارنة الشرق غرب، وتبقى هذه الشخصيّة تُعبّر عن شعورِ النقص الشرقي أمام شخصيّة الغرب التي تقدّمت كثيرًا وفي ميادين واسعة. فقدْ نجحَ الطيب صالح في بناءِ هذه الشخصيّة التي وَظَفَ مُخيَّلته الخلّاقة ليجعل من هذه الشخصيّة تُعبّر عن الشخصيّة الشرقيّة المُحملة بعُقد كثيرة، وهذه العُقد الناقصة بمنظور الشرقيّ هي من عِلل نهوضهِ الثقافيّ والعلميّ، لهذا تبقى هذه الرِّواية مقروءة غير مُستهلكة، وهذا المكوثُ في ذاكرةِ الأدب، والأدب لا يُبقي إلاّ الممتاز والنوّعيّ من الأعمال. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *