“رؤية يوسف الخازن للدولة اليهودية”(دراسة تحليلية) جديد الدكتور غسّان الخازن عن دار نلسن
صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “رؤية يوسف الخازن للدولة اليهودية” (دراسة تحليلية) للدكتور غسّان الخازن. في ما يلي فصل من الكتاب بعنوان “الشيخ يوسف الخازن في سطور” .
هناك غموض يكتنف حياة الشيخ يوسف الخازن في المراحل التي سبقت إيابه إلى لبنان بُعيْد الحرب العالمية الأولى. وقد أصبحت لكاتب من يومنا صعوبة قصوى لانتزاعها من ركام السنين بعد أن توفي كل الذين عايشوه في هجرتيه المصرية والباريسية. إنما الشيء الثابت والمتعارف عليه أن الشيخ يوسف الخازن ولد في قرية سهيلة من أعمال كسروان سنة 1871 وكان وحيداً بين ثلاث شقيقات. تلقى علومه في معهد عينطورة، ثم أكمل دراسته الجامعية حسب بعض المصادر في الكلّية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية اليوم)([1]). وقد شدّ انتباه معاصريه إلى نباهته وهو بعد طريّ العود. ارتحل إلى مصر موئل الأحرار في ذلك الزمان في مطلع العقد الأخير من القرن التاسع عشر. فعمل في البدء موظفاً في إدارة المالية (مصلحة الدومين المصرية-الأجنبية) ثم سرعان ما استقال وانصرف كلياً إلى الصحافة. فعمل أولاً في جريدة “الوطن” التي كان يصدرها ميخائيل عبد السيّد في القاهرة منذ عام 1877([2]) ثم ما لبث أن استقلّ بنفسه فأسّس مع داود بركات سنة 1896 جريدة “الأخبار” وهي أول جريدة تحمل هذا الإسم في أرض الكنانة، لكنها لم تنجُ هذه الدورية رغم اعتدالها من التعطيل عدّة مرات، فأصدر الشيخ يوسف تباعاً دوريتين إضافيتين لم تعمّرا طويلاً: مجلة الخزانة الشهرية عام 1900 وجريدة “بريد الأحد” الأسبوعية عام 1902. وخلال تعطيل “الأخبار” نشر الشيخ يوسف عدّة مقالات في “الأهرام” و”المقطم” و”الوطن”.
سطع نجم الشيخ يوسف الخازن في مصر بفضل قلمه الذي جمع إلى الجرأة قسوةً جارحة وسخريةً قاتلة، فلم تنج منه أعلى المراجع نفوذاً وسطوة. وقد تناول بالنقد مرّة الخديوي نفسه، فقال عنه هذا الأخير: “إن هذا الرجل على مكتبه دواتان امتلأت إحداهما سمّاً زعافاً والثانية شهد عسل”. وهذه الشهادة تعتبر أفضل تعبير عن هذا التلازم بين الشدّة والرقّة الذي طبع أسلوب الشيخ الخازني في معظم كتاباته. لم يصرفه نشاطه الصحفي في مصر عن مزاولة الكفاح السياسي كما يستدل من حكم الإعدام الغيابي الذي أصدره بحقه الديوان العرفي في عاليه أثناء الحرب العالمية الأولى بسبب نشاطاته المعادية للسلطنة العثمانية([3]). بيد أن هذه المرحلة من حياة الشيخ يوسف يحيطها الغموض وهي تتطلب ممّن سينكبّون يوماً على جمع كامل نتاجه الإنصراف إلى جلاء هذه النشاطات السياسية التي قام بها في تلك الفترة. وهو قد ارتحل إلى فرنسا في أواسط الحرب العالمية الأولى (1916) وأقام هناك وعمل في جريدة “الطان” « Le Temps »الفرنسية([4]). وفي أثناء إقامته في باريس، طلبت منه الحكومة الفرنسية ومن جميل مردم وعوني عبد الهادي السفر إلى الدول الأميركية للقيام بدعاية لفرنسا وسط الجاليات السورية. فقبل في البدء ثم غيّر رأيه في آخر لحظة، فلم يذهب من الثلاثة إلا جميل مردم([5]). ولما وضعت الحرب العالمية أوزارها، قفل الشيخ يوسف عائداً إلى لبنان في أواخر سنة 1919 (أو بداية العشرين؟) وعيّن عضواً في اللجنة الإدارية للبنان الكبير من سنة 1920 إلى سنة 1922 ثم انتخب نائباً عن جبل لبنان في ثلاث دورات متتالية: دورات 1922 – 1925 و1925-1929 و1929-1932. وفي المجلس النيابي أضحى الشيخ يوسف الخازن بأدبه وظرفه وسعة ثقافته أحد نجوم الحياة النيابية إن لم يكن أكثر نجومها تألقاً، ولعب دوراً بارزاً في مناقشة الدستور اللبناني حيث كانت له ملاحظات عديدة عليه لم يؤخذ بها. لم يمنعه منصبه اللبناني الجديد من الإستمرار في مزاولة مهنة الصحافة. فأصدر سنة 1921 مع نعوم لبكي جريدة الأرز لمؤسِّسَيها الشهيدين فيليب وفريد الخازن ثم ما لبث أن استقلّ بها. ثم أصدر سنة 1934 بالإشتراك مع موسى نمور جريدة “البلاد” ثم عاد فاستقلّ بها أيضاً. وأضحت افتتاحياته اللاذعة في هاتين الصحيفتين ميزان الحرارة السياسية لتلك الفترة ينتظرها القراء بلهفة وتتناتشها الأيدي بحماس. وفي سنة 1932، قاد الشيخ يوسف الخازن الحملة النيابية الداعية إلى انتخاب الشيخ محمد الجسر رئيساً للجمهورية ما دفع الشيخ بشارة الخوري إلى اتهامه في مذكراته بأنه كان يسعى إلى الرئاسة لنفسه من وراء هذه الحملة، متوهماً أن الفرنسيينسيقبلون به في النهاية رئيساً كحلّ وسط. والجدير بالذكر أن أجواءً من التوتر والتصادم شابت باستمرار علاقة الشيخ يوسف الخازن بممثلي سلطة الإنتداب الفرنسي. ومقالاته النقدية الساخرة ضد المسيو كيلا حاكم لبنان الكبير آنذاك تحت عنوان “حديث كلاب” أثارت ضجّة كبيرة في جميع الأوساط. وقد تحوّل عداؤه تدريجياً من عداء للمنتدبين إلى عداء للدولة المنتدبة، فبدأ ينسج في أواسط الثلاثينيات علاقات وثيقة مع إيطاليا الموسولينية توّجها في سنة 1938 برحلة مع وفد صحفي إلى إيطاليا وإسبانيا الفرنكوية قابل فيها أركان الدولتين. إثر إعلان الحرب العالمية الثانية، قامت سلطات الإنتداب بتعطيل جريدة “البلاد” ثم باعتقاله ووضعه في الإقامة الجبرية في أحد أديرة بلدة ريفون في كسروان. وبعد قيام حكومة فيشي أخلي سبيله وعاد إلى مزاولة نشاطه السابق. غير أن طيب العيش لم يدم له طويلاً. فلدى اجتياح قوات الحلفاء للبنان، فرّ الشيخ يوسف إلى تركيا ثم إلى إيطاليا ووجد نفسه منفياً من جديد، كما كان في مطلع شبابه، وكأن المنفى قدره. غير أن هذا لم يحبط من عزيمته فاستمرّ في نشاطاته السياسية في العاصمة الإيطالية وقد كانت له أحاديث سياسية تُبثّ من “راديو باري” الموجّه إلى الشرق الأوسط تحت عنوان “حديث الجمعة” يحذر فيها العرب من انتصار العالم الأنكلو-ساكسوني الذي نكبهم في الحرب العالمية الأولى بوعد بلفور والذي سوف ينكبهم ثانيةً في حال انتصاره في هذه الحرب بداهية أعظم([6]). وافاه الأجل في روما في 14 أيار 1944 وهو ظل عازباً وقد أُرجع رفاته إلى لبنان في احتفال شعبي مهيب في 3 حزيران 1962 ودفن في قبر خاص في بلدة عجلتون (كسروان).
كان الشيخ يوسف الخازن مثقفاً ذا ثقافة موسوعية لا يتناول موضوعاً إلا بعد أن يكون قد أشبعه بحثاً وتمحيصاً من جميع جوانبه. وكان بالإضافة إلى كونه كاتباً لاذعاً وخطيباً مفوّهاً سيّداً من أسياد الظرف والنكتة وسياسياً عنيداً لا يعرف الرضوخ والمداهنة والسكون. وقد قيل فيه إن “الشمم والشموخ والصلابة رافقت الرجل حتى في العهود التي كان المتزلّف للسلطة فيها يبرئ ويمنح الأسباب المخففة على الأقل([7]). ترافقت هذه المزايا عنده مع مزاجية مرهفة عطّلت الغزارة في نتاجه وتطيّر نافس تطيّر ابن الرومي في تأجّجه، وشرود وقلق جعلاه “بين حل ومرتحل كأنه مكلّف بفضاء الله يذرعه”([8]). والشيخ يوسف الخازن أول صحافي لبناني يحتلّ مركزاً نيابياً في وطنه وهو يعتبر في نظر النقّاد من كبار البرلمانيين الذين عرفهم لبنان في فترتيه الإنتدابية والإستقلالية.
***
([1])في كتابه “أقوال وأحوال” يقول الباحث جان داية إنه لم يعثر على اسم الشيخ يوسف الخازن بين أسماء خريجي الجامعة من عائلة الخازن. فهل الشيخ يوسف الخازن لم ينتسب إلى الجامعة أم غادرها قبل أن ينهي فيها دراسته؟.
([2])في كتابه “أقوال وأحوال” ينفي جان داية هذا الإحتمال حيث يقول إنه فتش مجلدات “الوطن” الأولى التي صدرت أعدادها قبل صدور جريدة “الأخبار” فلم يجد مقالة واحدة للشيخ يوسف الخازن. ثم يضيف أن هذا الأخير تولّى رئاسة تحرير هذه الجريدة ونشر فيها بعض مقالاته إنما خلال التعطيل الثاني لجريدة “الأخبار”.
([3])أنظر كتاب “إيضاحات عن المسائل السياسية التي جرى تدقيقها بديوان الحرب العرفي المتشكل بعاليه” مطبعة الطنين صفحة 124.
([4])يشكك جان داية بهذا التاريخ ذلك أن جريدة “الأخبار” استمرت بالصدور في القاهرة حتى أواخر العام 1919 وظلت ترويستها تفيد بأن الخازن ما زال مالكها.
([5])أنظر كتاب “عوني عبد الهادي” – “أوراق خاصة” مركز الأبحاث الفلسطيني صفحة 17.
([6])أنظر في هذا الصدد مقتطفات من أحاديثه في “راديو باري” في آخر الكتاب.
([7])المحامي عبدالله لحود في مقالة له عن الشيخ يوسف الخازن (أنظر الدفاتر اللبنانية-العدد8-شباط 1987).
([8])الرئيس الشيخ بشارة الخوري في رثائه للشيخ الخازني لدى إرجاع رفاته من إيطاليا. وقد أضاف “هبات الله عليه كانت بدون حساب. أميرٌ من أمراء الظرف وبلبل من بلابل المنبر وسيدٌ من أسياد القلم”.



