أوراق من دفتر يوميّات
د. جان توما
-١-
لماذا تقرأُ؟ كأنّك تسألُ عن اسمك؟ الإنسانُ في الأصل قارئ، يطالعُ في دفترِ الكون، يتهجأ أبجديّةَ الطبيعة، يفكِّكُ جُملَها وتراكيبها، وإن وعى، يعيدُ كتابةَ مسرى الحياة .
لعلَّ القراءةَ تنحو كالمنحى، تطلعُ تلّة، تنزلُ سهلًا، تغسلُ وجهك بماء جدول، تسامرُ القمرَ ليلًا بعد أن تودّعَ الشمسَ الذاهبة إلى ضوء جديد ٍفي الأفق المرسوم بالموج المالح.
-٢-
لم يدرِ أنّه حين كان يكتبُ دراستَه كان يكتبُ وصيتَه. كان جاهزًا ليطرحَ دراستَه التي تأجلّت لظروف البلد، ولما استكانت، غزاه المرض، وهدَّ صحتَه، ولكنه لم يبدّد عزيمتَه وإصرارَه على الحياة أمامه. وصلني على واتسابه الآتي: “أنا ابنه، لقد تُوُفّى والدي يوم أمس، كان حلمه الحصول على نتيجة دراسته، ولكن ما عند الله خير وأبقى”.
اختصر ابنه بجملته الأخيرة ” عند الله خير وأبقى” كلّ الكلام، فتكفينا تعزية بمضمونها وبمقاصدها … والسلام.
-٣-
تقرأ لشاعرٍ، فتستذكر آخر كما تذكرُ والديك كلّما هبّ ريحُ الشوق إلى الزّمن الجميل، فتعصفُ بك جمالاتُ الماضي لتتحمّلَ ثقل أيامك.
تحلّلُ مضمونَ قصيدةٍ، فتطلعُ عليك وجوهٌ من التراث، تراها أمامك جذلى لأنّك تستحضرُها من عتمِ الذكريات إلى نورِ اللحظات. ما هذا السرُّ في المفردات؟ تراها كحبّاتٍ مبعثرةٍ، فإن اكتشفت دِلالتَها صارت بين يديك سبحةَ صلاة،ٍ وعلى شفتيكَ تمتمةَ رجاءٍ وحلاوةَ عمر.