الرواية القصيرة جداً… “هذيان” لـ حميد الحريزي أنموذجاً
عبدالله الميالي
الرواية القصيرة جداً كما أراها بحسب ذائقتي الأدبية واشتغالاتي النقدية، هي رواية الإيقاع السريع والإيجاز والاختصار للحدث والزمان والمكان والشخصيات مقارنة بالرواية التقليدية التي تتسع للكثير من التفاصيل والجزئيات والإسهاب، وهي تشبه إلى حدٍ كبير ثنائية القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، فما دام الوسط الأدبي قد تقبّل وجود القصة القصيرة جداً باعتبارها تقوم على فلسفة التكثيف والإيجاز مقارنة بالقصة القصيرة، فلا ضير بقبول الرواية القصيرة جداً، وفق قاعدة العلّة والمعلول (حكم الأمثال في ما يجوز ولا يجوز واحد)، فما يصدق على القصة القصيرة جداً وفلسفتها، يصدق على الرواية القصيرة جداً وفلسفتها أيضاً. ولا شك أن الدافع الرئيس لدى مؤلف الرواية القصيرة جداً، هو إيقاعات ومتطلبات العصر المتسارعة ومواكبته، حيث يرى المؤلف، أو المتبنّي لهذا الشكل الأدبي، أن القارئ لا يجد الوقت الكافي الذي يسمح له بتصفّح رواية من مئات الصفحات كما كان سابقاً قبل عدة عقود. بالإضافة إلى ما هو حاصل من تغيّرات سياسية واجتماعية متسارعة تلقي بظلالها شئنا أم أبينا على المنتج الأدبي كمّاً وكيفاً ونوعاً وشكلاً وأسلوباً.
ويمكن تعريف “الرواية القصيرة جداً” بأنها ذلك النص السردي الذي يتوسّط القصة القصيرة والرواية القصيرة، فهي ذات إيجاز واقتصاد في التفاصيل قد تقترب من أجواء القصة القصيرة دون أن تذوب فيها من جهة، وذات منحى روائي معروف يتمثل بتعدد الشخصيات وحرية الحركة زمانياً ومكانياً من خلال انتمائها إلى جنس الرواية من جهة أخرى، فهي المنطقة الوسطى بين القصة القصيرة والرواية القصيرة. هذا هو التعريف الموجز لها من وجهة نظري من دون استدعاء مصطلحات تنظيرية متعددة وغائمة وضبابية قد تؤثر سلباً على هذا الشكل الأدبي الجديد.
ولادة الإبداع من رحم التجارب
وتبقى للقارئ والمتلقي كلمة الفصل في هذا الوافد الجديد (الرواية القصيرة جداً)، فإن وجد فيها ذائقته وأنها تلبي طموحه، فهذه نعمة، وإن وجد أنها تشكل عبئاً على الأدب وأجناسه بزيادة مولود جديد يجرف من حصة الأشكال السردية الأخرى، فلن يضر الأدب شيئاً، ولتكن كتابته محاولة تجريبية كما سبقها من محاولات تجريبية كثيرة للأنواع والأشكال والأجناس الأدبية المتعددة، فمن رحم التجارب يولد الإبداع… وللأمانة فإني أرى في الأفق نجاح هذا المشروع ليشكّل لوناً أدبياً قائماً بذاته، وتجربة سردية جديدة سيكتب لها النجاح على المنظور القريب والبعيد، خصوصاً إذا تم تناوله مع الوقت نقداً وتنظيراً وكتابة عراقياً وعربياً وحتى عالمياً. فالجنس أو النوع أو الشكل الأدبي كما هو معروف في الوسط الأدبي، يمر غالباً بمخاضات وإرهاصات متعددة تستغرق عدة سنوات، وربما عدة عقود، قبل أن يأخذ شكله أو أسلوبه الذي يتوافق مع ذائقة الوسط الأدبي. ولنا في تجارب الشعر الحر وقصيدة النثر والقصة القصيرة جداً والقصيدة القصيرة جداً والومضة والفلم القصير جداً (من خمس دقائق) خير دليل، فهذه الأشكال والفنون لم تقر بين ليلة وضحاها، وإنما مرت بمخاضات وسجالات مختلفة أسفرت بالنتيجة عن ولادة تلك الأشكال الأدبية.
وإذا كان هذا العنوان “رواية قصيرة جدا” قد يبدو جديداً وغير متداول في السنوات السابقة، فإن شكله ولونه ليس بجديدين، فبالعودة للأرشيف الأدبي العربي نجد وجود أكثر من نص سردي مكثف على شكل “رواية قصيرة جداً” وإن كان الكاتب لم يضعه تحت هذا العنوان، ومن ذلك نص “الطائر” الذي نشره القاص والروائي العراقي عبد الرزاق المطلبي في “مجلة الأقلام” بعددها الأول لعام 1983 تحت عنوان “رواية قصيرة”، ولكن يمكن أن نعده “رواية قصيرة جداً” لأنه أخذ مساحة 12 صفحة فقط من المجلة. وكذلك نص “قهوة.. وأحاديث” للقاص والروائي المصري عبد الحكيم قاسم ،الذي نشره في مجلة القاهرة بعددها 96 في عام 1989 تحت عنوان “رواية قصيرة” أيضاً، ولكنه أخذ مساحة 8 صفحات فقط من المجلة.
الذي أتمناه هو ألا يتم التعامل مع هذه التجربة الأدبية بالاستخفاف والتنمر، وأن نتعظ من التجارب السابقة. أعرف أحد الأدباء في العراق وهو من الأسماء اللامعة في القصة القصيرة شن هجوماً عنيفاً على القصة القصيرة جداً في السبعينيات ولكنه عاد وكتبها في الثمانينيات بعدما وجد أن الوسط الأدبي القصصي قد تناولها بشكل واسع.
كما أدعو في الوقت نفسه من له هوى مع هذا الشكل السردي الجديد ألا يسقط في فخ التقليد المستهلك أو يسجن نفسه في اجترار نمط تقليدي متكرر ممل، بل عليه أن يجتهد ويبدع في صياغة نصوص مبتكرة تمتلك أفكاراً جديدة ليكسب احترام القارئ والناقد على حدٍ سواء.
رواية “هذيان”
رواية “هذيان” هي الرواية السادسة للروائي حميد الحريزي، الذي يعنونها تحت مصطلح “رواية قصيرة جدا” بعد أن أصدر سابقاً خمس روايات جمعها في كتاب واحد (المقايضة، أرض الزعفران، المجهول، القداحة الحمراء، مذكرات كلب) صدر عن دار رؤى للنشر والتوزيع – 2024. وسبق للحريزي أن أصدر أربع روايات من هذه الخمس في كتاب مستقل في عام 2019.
السؤال الذي يتكرر دائماً بعد الانتهاء من قراءة النص الروائي: ما الذي يتسرب في ذاكرتنا بعد الانتهاء من قراءة هذا النص؟ الجواب هو: إن ما يترسب، تلك المؤثرات الفكرية والثقافية والاجتماعية التي كشفتها الرواية للقارئ، وأزاحت الضبابية التي ربما كانت غائمة على بصر القارئ. سواء كانت هذه الرواية مباشرة أو غير مباشر، رمزية أو إيحائية أو صريحة، واقعية أو غرائبية.
وهنا في رواية “هذيان” القصيرة جداً حسب عنونة المؤلف الروائي حميد الحريزي، رائد هذا النوع الأدبي الجديد عراقياً وعربياً، نجد أن الرواية تعمل على تجسير الرؤية الفكرية بين المؤلف والمتلقي، من خلال خطاب المؤلف النقدي لحالات اجتماعية ودينية وسياسية من جهة، وبين قدرة المتلقي على فهم تلك الانتقادات التي تناولتها الرواية، سواء كانت تلك الانتقادات مباشرة وصريحة أو غير مباشرة وإيحائية يفهمها المتلقي من خلال قراءة ما بين السطور، فمن خلال تفاعل القارئ مع النص “تتكشف المعاني الكامنة داخل المساحة النصية، فمن دونه يصبح النص شكلاً جامداً لا حياة فيه، ولم يعد النص هو الذي يمارس السلطة على القارئ، وإنما يقوم القارئ هو الآخر بممارسة سلطة على النص حتى يستطيع أن يلجأ إلى عالمه ويشارك في تكملة ما هو غائب في النص”[1]
جولة حوارية افتراضية
يأخذنا المؤلف في رواية “الهذيان” إلى جولة حوارية افتراضية مع شخصيات فكرية وأدبية وسياسية ودينية مختلفة مكانياً وزمانياً، ولكن يجمعها صعيد واحد وهو “المقبرة” في عالم ما بعد الموت، وتكشف الرواية آراء ووجهات نظر تلك الشخصيات حول مفاهيم وقواعد سلوكية وعقائدية مختلف عليها بين هذا الطرف أو ذاك، فتتناول الرواية الرأي ونقيضه من الطرف الآخر، على الرغم من سيادة الرؤية الأيديولوجية للمؤلف الذي تخفّى وراء شخصيات روايته، ولا ضير في ذلك لأننا نتفق أن الكاتب والمؤلف له أيديولوجيته أيضاً اسوة ببقية الشرائح الاجتماعية والفكرية والسياسية والدينية، وهو ليس متقوقعاً بصومعة خاصة به، فهو جزء فعّال ضمن مؤشرات هذا الحراك، يؤثر ويتأثر بقدر ما يحمله من طاقة فكرية وعلمية وثقافية وأدبية.
عمل المؤلف في روايته المكثفة هذه وفق تقنية التدوير، حيث ابتدأت الرواية من حالة الاحتضار لبطل الرواية (حامد) ثم تشعبت عبر صفحاتها لاستقطاب شخصيات بعضها رحلت إلى العالم الآخر منذ قرون بعيدة وبعضها رحلت منذ عدة عقود، مثل: “أخناتون، أبيقور، المسيح، المعري، الخيّام، النظّام المعتزلي، واصل بن عطاء، ماركس، أنجلس، حامد نصر أبو زيد”، وتنتهي الرواية بالعودة إلى شخصية حامد كما ابتدأت، ليتضح للمتلقي أن بطل الرواية حامد، لم يحتضر أو يقترب من الموت، وإنما كان يهذي بسبب ارتفاع درجات الحرارة التي بلغت أكثر من 50 درجة مئوية!
تناولت الرواية نقد الكثير من الممارسات والأعراف والتقاليد الاجتماعية، والخرافات التي ارتدت ثوب الدين، والشعارات الحزبية الزائفة، والظلم الذي لحق بالمرأة عبر الأجيال والمتاجرة بها. ونجد أن الكاتب شخّص بدقة الكثير من سلبيات المجتمع ووضع أصبعه على مواطن الخلل والمعالجة الموضوعية في الوقت نفسه.
في الرواية تداخل صوت الراوي العليم المهيمن تقريباً مع صوت الشخصيات، فما أن ينتهي صوت الراوي العليم حتى يبدأ صوت إحدى شخصيات الرواية ثم العودة للراوي العليم، كما في هذا النص مثلاً: “تتركني في مثل هذا الوضع دون أنْ تحدد مصيري وتموت؟ كيف يموت المؤلف قبل أن يحدد مصير البطل ضمن روايته الجديدة التي لم تكتمل بعد؟!”.
عينا حامد تذرفان الدمع تعاطفاً مع أسئلة أحفاده الصغار، وهو يستعرض عناوين كتبه العزيزة التي لم يتمكن من قراءتها لحد الآن… إننا أيتامك أيها المغادر…
تتصاعد حسراته. تأخذه شبه إغفاءة وهو يتساءل: هل سيجد الإنسان بعد يوم الحساب في الجنة مكتبات تضم مئات الملايين من الكتب؟!.
نجد في بداية هذا النص تساؤلا مفترضا من شخصية قصصية من مؤلفات بطل الرواية (حامد)، ثم يعود السرد إلى الراوي العليم، ثم لشخصيات قصصية لبطل الرواية (إننا أيتامك أيها المغادر)، ثم يعود مجددا إلى الراوي العليم، وهكذا، حيث عمل الحريزي على خلخلة السرد المتناوب التقليدي معتمداً على وعي القارئ وانفتاح ذهنيته لغرض التجاوب والتفاعل مع روايته.
واختتمت الرواية بضرورة تسيّد الحوار والتسامح والمحبة بين جميع التيارات والأفكار، وعلى كل طرف قبول الطرف الآخر بغض النظر عن المعتقد والدين والمذهب والقومية.
ولأن الرواية هي قصيرة جداً، فقد ابتعد الكاتب عن التفصيلات الزائدة، والوصف المسهب، واكتفى بالحدث المركزي الذي حشد له شخصيات روايته.
***
الإحالات:
1ــ د. رحيم خريبط الساعدي، السرديات، ص212. مؤسسة دار الصادق الثقافية – 2024.