التعاسةُ بوصفها سِمة سردية في رواية “وادي الفراشات” لـ أزهر جرجيس

Views: 663

إبراهيم رسول

السردُ الجديدُ هو السردُ الذي يكسر السائد المكرر، ويعتمد على تقنية من شأنها أنْ تبعثَ الدّهشة في المتلقي وتُزيد من عنصر التشويق، لهذا فكثيرةٌ هي الروايات التي تخرج سنويًا من أفران المطابع، لكن ما أندر ما يمكث في ذاكرةِ الأدب التي لا تُبقي إلاّ الجميل والإبداعيّ. اِشتغلَ كُتاب السرد على سِمات متنوّعة وبرعوا في الكثير من السِمات التي أنتجتها مخيلّة خصبة غنّية. 

تشتغلُ رواية “وادي الفراشات” على سِمة التعاسة بوصفها سِمة مركزية في الرواية على نمط حياتيّ رهيب يبدأُ من البداية بخط مستقيم حتَّى النهاية، فالحالةُ السوداويةُ تُخيّمُ على الشخصيّة لدرجةٍ تجعلها فاقدة لكلِّ شيء، فالشخصيّةُ تُعبّرُ عن حالةٍ نفسيةٍ اِستطاعَ المبدعُ أنْ يُقدمّها على الورقِ.

هذه الرِّوايةُ التي صدرت عن “دار الرافدين للطباعة والنشر” بطبعتها الأولى سنة 2024، تمثلُ صورةً غير نمطية على تطوّر السرد العربي عمومًا والعراقيّ على نحوٍ أخصّ، فهي قصّةٌ تعنى بالهوامشِ التي لا تاريخ يُكتب لها ولا قلم يُدوّن معاناتها النفسيّة التي تعيشها في صراعٍ دائمٍ مع الواقع اليوميّ. إنَّ اِلتقاطَ هذه اليوميات لطبقات المجتمع والكتابة عنها تُعد من الأعمالِ المُلهمة لمخيلة المُبدع ليُعيد إنتاجها إبداعيًّا وتقديمها إلى المتلقيّ، فأحسبُ أنَّ مُخيّلة المُبدع التقطت هذه الهوامش وأحالتها إلى مادة سردية كانت سِمة التعاسة هي الأبرز مما سنقرأهُ في هذه المقالة.

القراءةُ السرديةُ نتركها للحقلِ الأكاديمي الذي يقرأ العمل عبر قوانين السرد ومسطرته، أما الآن فسنقرأ هذه الرِّواية بوصفها عملاً إبداعيًّا مؤثرًا، فهي من الروايات التي لا تُغادر، بلْ هي ماكثةٌ طويلاً بسبب القيمة الأدبية الإبداعية التي تزيّنت بها حتَّى خلصت إلى هذه الحلّة البديعة، لهذا فستكونُ القراءة ثقافيّة بحسبِ العنوان الذي وجدناهُ يمثلُ أهميّة تجلّت بوضوحٍ كبير حتَّى عُدَّ من المهيمنات المركزية في البناء الفنيّ في الروايةِ.

 

عنوانٌ يحوي النقيضين

بدايةً من العتبة المهمة والأولى في العمل الإبداعيِّ، وهي عتبة العنوان، الذي يُعدُ مهمًا كونه أوّل طريق العلاقة بين المنتج والمستهلك، الكاتب والقارئ، وادي الفراشات، عنوانٌ يحوي النقيضين معًا، فمعنى الوادي يُحيلُ إلى شيء والفراشات إلى شيءٍ آخر نقيض الأوّل أو بعيد عنه كثيرًا، إلاّ أنَّ المبدعَ يحرّف ويُغيّر ويخلق حسبما يشاء ويقدم ما يقدم حسبما يستطيع، فالمستحيلُ من الأشياء عندِ الناس في الواقع يستطيع المبدع أنْ يُعيد صياغتها وإنتاجها عبر اِستعمال مخيلته في التصوير والخلق، الوادي يُشيرُ إلى المنخفض الذي أما الفراشات فترمزُ إلى الطيرانِ، فالفراشةُ تدلُ على الأمل، والأملُ واضحٌ بيّنٌ في نهاية الرواية، فعلى الرغمِ من التعاسة والسوداوية في الرواية، إلاّ أنّ جانبَ الأمل واضحٌ، وتجلّى بصورةٍ جميلة جدًا، فالكاتبُ بارعٌ في تصوير حالة الانكسار النهائيّ والاحباط الحاد وتحويله إلى أمل وحياة جديدة، وذلك حينما قررَ البطل أنْ ينتحر ويموت في وادي الفراشات، يقول: سأحفرُ قبرًا وأنزل فيه حتى تنفد وشالة دمي وأستريح. اقتربت من الوادي وأخرجت السكين، لكني تفاجأت بلفافة مطروحة قرب سياج القصب، كشفتها، فوجدته صبيًا يغفو بسلام كأنه في مهد وثير! مسّدت بطرف السبابّة على حنكه، فأصدر ما يشبه ضحكة النيام. إذ ذاك رميت السكين من يدي، وحملته عائدًا به إلى بغداد.

في الطريق سألني السائق:

ما شاء الله، هذا ابنك؟

نعم، ابني.

ما اسمه؟ 

فكرت للحظة، وقلت:

جبران. (الرواية: 210).

صورة من صور الأمل

هذا النصُ يمثلُ الأمل في الرواية، فالنهايةُ التي مزجَ فيه الخيال بالواقع، جعل منها صورة من صور الأمل، فضحكة الطفل تُشير إلى السعادة، وأنْ يتخذَ منه ابنًا له يعني حياة جديدة، فجبرانُ خاله قدْ مات، فيجيء جبران ابنه وتستمرّ سلسلة الحياة هكذا، هذه السِمة الرائعة تُعتبر آية من آيات الفن الروائيّ، فهذه الصورة قدْ اختصرها بأسطر قليلة، وهذه ميزةٌ نُسجّلها للرواية أنَّها تختزل وتُكثف من معناها.

يجيءُ معنى مفردة التعاسة بأنَّهُ سوء الحظ أو قلّة السعادة أو سوء الحال، ويجيءُ المرادف لها، الشؤم، الشقاء، الغم والكدر، وإذا أرادَ القارئ للروايةِ أنْ يقرأَ شخصيّة عزيز البطل الرئيس في الرواية فسيجدها تتصفُ بكُلِّ هذه الصفات مع المرادف للكلمةِ، فالتعاسةُ ومرادفها ينطبقانِ على حالِ شخصيّة عزيز تمام الانطباق، فهوَ نموذجٌ لكُلِّ هذه الصفات التي تُشيرُ إلى حالتهِ بدءًا من لحظةِ البكلوريا حتَّى نهاية الرواية. 

 

اختزالُ الزمن

واحدةٌ من أبرزِ التقنياتِ السردية التي تمكّن المبدع منها هي طويْ الزمن أو اختزاله، فالجملةُ السرديةُ مكتوبةً فنّيًّا، فالجملةُ لدرجةِ بلاغتها تختصرُ زمنًا كاملاً بجملةٍ واحدةٍ، وهذه ميزةٌ لا تكونُ إلاّ في المبدع التجربة، فنحنُ قرأنا طفولةً ومراهقةً وجامعةً وعلاقةَ حُبٍّ بصفحات قليلة، بلْ قرأنا موافقة الأب المُعارض للزواج بجملة واحدة!، وهذه صفةُ الروائيّ الصنّاع الماهر، فعنصر التشويق يبدأ من البدايةِ حتَّى تنتهي الرواية، ولا أعتقدُ أنَّ قارئًا يستطيع أنْ يتركَ الرواية من دونِ أنْ يُنهي قراءتها كاملة، هذه المهارةُ التي نعني بها هي مهارة اللغة والتقنية، فالكاتبُ كان يتكئ على لغته الإبداعية ومعرّفته في التقنيات السردية التي هي قانونٌ معروفٌ، هذه اللغةُ تجعل من العمل أي عمل يقاوم الزمن ويُحافظ على مكوثه طويلًا في ذاكرة الأدب الحيّة التي لا تُبقي إلاّ المميز والنوعيّ من الأعمال.

تحكي هذه الرواية قصّة تعاسة شاب لمْ يجدْ في كلِّ أطوارِ حياته غير الكَدر والتعاسة والشؤم الذي صاحبه منذ فشله برفعِ رأس أمه عاليًا لتفتخر بأنَّها أمّ الطبيب لكن معدله خيّبَ ظنّها به، فمعدله ثلاث وستون أدخله إلى قسم المسرح ليجد نفسه تائهًا ضائعًا مشرّدًا، يخوضُ غمار الحياة الصعبة، هذه الحياةُ التعيسة كانتْ حياته، فلمْ يكنْ ثمّة بارقة أمل أو رزق في طريقه، هذه القصة التي أبدعَ في نسجها الكاتب، هي قصةٌ المهمل والمهمش من الناس، فالفرقُ الشاسع بين البطل وحبيبته تمارا فرق، وظلت أم تمارا تُذكره بهذا الفرق حينما كانت تفتخر بزوجيْ بنْتيْها أخوات تمارا، فهو قدْ نالَ تمارا كأنَّه خطفها من أهلها، يتقلبُ عزيز في الحياة ويكافح لكن الحظ لمْ يسفعه في أيِّ فترةٍ في حياتهِ، بلْ نلمحُ أنَّ عزيز قدْ صارَ السبب في سعادة الأخرين كما حصل في سيارة التكسي الـ”بيجو” التي صعد بها رجلٌ وزوجته وقدْ بانَ الخصام عليهما، فلمّا شتمها عزيز واِنتفضت نار الغيرة عند زوجها الذي ضرب عزيز، فلمّا انتهى من ضربه، تصالحا وقدْ وضعت يدها بيده وانصرفا، وأما حبيبته تمارا، التي طلقها، فهي النموذج الثاني الذي يُغادرها فتعيش سعيدة وتنجبُ طفلها، أو كما يُعبر النص    “سامرها”، هذه مفردةٌ بليغةٌ، تدلُ على أنَّ النحسَ يُصاحب كلّ شخص يقترب من عزيز، وحالما يتخلصّ منه فالآخر يعيش بسعادة، وكما حصل مع تمارا خيرُ دليلٍ على ذلك.

 

مزجُ الكوميديا بالجد

يمزجُ الكاتب الفرح بالحزنِ، فهو سعيدٌ حينَ يكون مع خاله جبران على بساطة حياتهما وعلاقتهما، فهو حزينٌ حين لا يجد ما يُدافع به عن نفسه، وقصة المرأة التي قصدت غرفة المدير واضحة الدلالة، وهو يمزجُ الكوميديا بالجد، الجد يتمثل في حياته الواقعية خلال فترة إنجاب ولده سامر من تمارا، الطفلُ الذي ورثَ التعاسةَ من أبيه فغادرَ الدنيا مبكرًا قبل أنْ يعيشَ ما عاشه أبوه أو أتعس، أمام هذه التقنية التي يكتب بها المبدع، نسجّل له البراعة في الصناعة، فهو نساجٌ ماهرٌ، يُتقنُ صنعة الرواية، فالسِمة غير نمطية والفكرة غير مألوفة، نحن قرأنا سوداوية رواية المسخ لـ كافكا وطريقة سرده صارت علامة تدل عليه، ونحنُ هنا نقرأ التعاسة لتدل على وادي الفراشات. 

ما قدمه الكاتب في هذه الرواية، هو اِبتكارٌ واضح وجديد غير مطروق سابقًا بهذا الأسلوب وهذه المعالجة والصناعة، وبحسبِ ايتالو كالفينو، الذي يرى أنَّ للسردِ ستة عناصر تطبع جوهره وهي “الخفة والسرعة والدقة والوضوح والتعددية والاتساق” (كتاب سحر السرد، سعد محمد رحيم، دار نينوى، الطبعة الأولى، سنة2014، صفحة 11)، ولوْ نظرنا في هذه العناصر الستة وطبقناها على رواية وادي الفراشات، لوجدنا أنَّها تنطبقُ تمام التطابق، فالسردُ يكاد أن يجعل القارئ يركض معه من دونِ تعبٍ أو مللٍ، وهذه المهارة هي قيمةٌ فنّيّة للعملِ، إذْ يستطيع القارئ أنْ يقرأ الرواية بجِلسةٍ واحدةٍ من دون إيّ فتور، فهذا العمل التخيّلي قدْ نجحَ في التواصل التخيّلي بينه وبين الآخر، لهذا فالعلاقةُ إيجابيةٌ بين الطرفين.

 

فلسفةٌ جديدة

لمْ يكتفِ المبدع بتكسير نمطية السرد السائد بلْ خلقَ لنفسه مسافة ينفردُ بها، وهذه المسافة يجب أنْ تُقرأ ثقافيًا، فهوُ منفردٌ على الرغمِ من كم الناسِ من حوله! هذه فلسفةٌ جديدة، فالبطل ُ لمْ يبقَ معه أحدٌ فكادَ أنْ ينتحرَ، إلاّ أنَّ بريقَ الأمل الذي تجلّى بالطفل الملفوف بقطعة قماش في وادي الفراشات يمثلُ الأمل في الرواية السوداوية، تساقطَ الجميع من حوله، حتَّى أقرب الناس إليه، الخال جبران شخصيةٌ مهمةٌ وهي تمثلُ خيط الاستمرارية في دنيا التعاسة هذه، يقول: عشتُ وحيدًا رغم غابة السياق في بيت العائلة (الرواية: 100)، هذه الغابة لمْ تبقَ معه، حتَّى أخيه الوحيد، الذي رممَ بيت العائلة وتزوج اثنتين وتكوّنت له عائلة كبيرة، حينما راجعه في شأنِ نصيبه من ميراث البيت، طردهُ، الشخصية لمْ تعلقْ على هذه الحادثة، بلْ عبرها الكاتب لأشياء غيرها، فالسردُ فيه خفة وسرعة، إذْ يُشار إلى الحديث ضمنًا باستعمالِ بلاغةٍ الكلمات المكثفة المختزلة، فنحنُ نستطيع أنْ نكوّن صورةَ عن عائلة تمارا، ونستطيع أنْ نكون صورة عن عائلة أخيه، وهكذا، فالإشاراتُ البليغةُ على الرغمِ من أنَّها مكثفة إلاّ أنَّها لمْ تكنْ بعيدة عن واقعية الأحداث. الروائيّ أزهر جرجيس، مهندسٌ معماريٌ ممتاز، فهو قدْ يُذكرنا برواية “فرانكشتاين في بغداد” للروائي أحمد سعدواي، إلاّ أنَّ لـ أزهر عالمه المتفرّد الذي يُميّزهُ وحده لا يدخله غيره.

السؤالُ الأبرز والأهم للمتأمّل في زمن الرواية الفعلي وليس زمنها السردي فحسب، فالزمنُ لمْ يُصرّحْ به مباشرة، بلْ جاءتْ الأحداث لتدلّ على تاريخها وهذا عبر إيحاءات وصفية للزمن الحقيقي للأحداث، فنحنُ أمام وثيقة أدبية تؤرخ لحياة جيل عاش فترة من القهر والهوان والموت والتمييز وغيرها من الصفات التي تجعل الإنسان تعيسًا.

إنَّ تقديم التعاسة على أنَّها حالة صاحبتْ الشخصية لهو عملٌ مبهرٌ وجميل، فالروائيُّ الذي ينفرد بعالمٍ إبداعيٍّ هو الروائي الذي يلتقط الهوامش وينظر في الظل ويبحث في المضمر ويكتب فيه، فما يستفز المبدع يختلف عمّا يستفز الإنسان العادي، فالأديب هو خالقٌ ومن شأنِ عمليةِ الخلق أنَّها تخلقُ من عدمٍ أو من تأليفٍ جديد، وأحسبُ أنَّ هذه الرواية هي تأليفٌ والإبداع تجلّى بهذا التأليف.

عنصر الخيال كبير وغزير، وهذا سببٌ في نجاحِ هذا العمل، إلاّ أنَّ للواقعية مشاركة واضحة في هذا النجاح. هي روايةٌ تعيسةٌ من أوّلها حتَّى نهايتها، وهذه سِمة جميلة وجديدة وفكرة مبتكرة، لكن على الرغمِ من مركزية سِمة التعاسة يتجلّى الأمل، فهناك خيط لمْ يقطعه الكاتب، لكي لا يجعلنا نترك الرواية ونحن نعيش حالة التعاسة والحزن والكآبة، فعملية التواصل بين المُنتج والمستهلك أو قلْ بين المبدع والمتلقي هي عمليةٌ مترابطة ومتأثرة بصورةٍ إيجابية لهذه، فلمْ يتركنا الكاتب تُعساء كما بطل الرواية الذي يصل به المآل إلى الانتحار!، فخيطُ الأمل كان في الطفل الذي وجده في وادي الفراشات نائمًا وأسماه جبران على اِسم خاله، كأنه يُعيد خاله، وهي عمليةُ إعادة واستمرارية، كما في قصة زواج تمارا وإنجاب “سامرها” الذي يدلُ على حياة جديدة وأمل جديدة، فهذا الخيطُ كان سببًا كبيرًا في إيجابية التلقي.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *