جدّو ميشا الإنسان والأب و”كَوْنِيّة كَيْنُونته”

Views: 102

سهى حداد نعيمه

تأخذني الدّهشة في حبْكة الكَوْن العظيمة التي تصبّ في كينونتِنا وسيرورتِنا اليوميّة،

التي قد تتراءى لنا بأنها تافهة عابرة،

لكنّ فيها قدِ انطوَتْ حِكمةُ الأزل والأبد.

 

أقف عند حبْكة الكَوْن وجلالها في حياة ميخائيل نعيمه،

تلك الحبْكة وتلك الرموز التي قد تبدو هامشيّة، لكنّها جوهريّة في دلالاتها ومعانيها إذْ تُمَرّي (مِن ’مرآة‘) كَوْنِيَّةَ حياةِ كلٍّ مِنّا،

 كما تتمرّى في كَوْنِيّة كَيْنونة ميخائيل نعيمه، ’جدّو ميشا الإنسان وصورة الأب‘، ضمن عمريَ الفاني وعمريَ الأزلي الأبدي.

—-

-وُلِد نعيمه في بسكنتا القابعة عند سفح جبل صنّين، خلال أيّام ’الدْبيح‘، حين تُذبح الحيوانات  لتحضير المونة والتجهيز لفصل الشتاء.

وها هو، بعد 28 سنة مِن ولادته، يذبح حبَّه بيده ويقول عبر لسان الأرقَش “ذَبَحْتُ حبّي بِيَدي لأنّه فوق ما يتحمّله جسدي ودون ما تشتاقه روحي”.

وقد صَدَقَتْ تلك العلامة الكَوْنِيّة في كَيْنونة نعيمه.

 

 

-وها هي علاماتٌ كَوْنيّة أُخرى تَتَجَلّى ضمن دَوَرانٍ أرضيّ:

تصفه والدته، كما حدّثنا نعيمه في سيرته الذاتيّة “سبعون” بـ ’الستّ الساكتة‘ وهو في السادسة مِن عمره،

فيُقَسّم الناس، بعد 22 سنة، إلى قِسْمَيْن في ’ أرقشه‘:

’الناس قسمان: مُتكلّمون وساكتون.  أنا قسم الإنسانيّة الساكِت، وما بقِيَ فَمُتَكلِّمون‘.

 ويتعزّز هذا الصمت الذي تتمحور حوله العبارة في كتابه مرداد، الذي يعتبره نعيمه عُصارةَ فلسفته، فيبوح لتلاميذه الثمانية: “أصدقُ الكلامِ كذبٌ بريء”.

-وفي سنة 1902، ولَمْ يكن نعيمه قد أتمَّ عامه الثالث عشر، في غربته الأُولى بعيداً عن عالَم طفولته بين بسكنتا والشخروب، وهو في طريقه إلى الناصرة لاستكمال دراسته في دار المعلّمين المسكوبيّة، حَمّلَه أهلُه سبعة بْشالك كمصروف جيب، والبِشْلِك هو العملة العثمانيّة آنذاك، والـ سبعة بشالك تعادل الدولار الواحد. 

دولار واحد مصروف جيب ’مخّول الزغتور‘، كما كان لوالدته عادة منادته خلال طفولته، كما ذكر نعيمه في سيرته الذاتيّة ’سبْعون‘. 

لكن،هذه البْشالِك السبعة لمْ تبْقَ كامِلة في جيب نعيمه، إذ اقتصّ منها خاله المُقامر، الذي رافق نعيمه إلى بيروت، لكنّه لمْ يُواكبه إلى الباخرة في مرفأ بيروت التي ستقلّ نعيمه إلى مرفأ حيفا، ومِن هناك إلى الناصرة.  بكلامٍ آخر، وصل  نعيمه إلى الناصرة بأقلّ من دولار في جيبه.

وبعد 46 سنة، بعد أن شَكَّلَتْ تلك الرحلة إلى الناصرة بعثاً جديداً في حياة نعيمه، إذ دخلَها  فاضي الجيْب، عاري القَلب، كثيف الغربة، عميق الوِحدة، يتفتّح نعيمه عن إنسانٍ جديد، ويأتي صوت مرداد لِيقول:”أفْرِغوا ذاتَكم لكي تملئوها“، و”خير الدليل أن تمشي دون دليل”.

لقد أفرغ نعيمه ذاته، في أوّل هجرةٍ له، لكي يملأَها بما لا يفنى ولا يتحوّل، وخير الدليل أنّه مشى دون دليلٍ أرضيّ آدميّ، بَل “قبطانَك الله، سيري، فُلْكُ مِرْدادِ.”

 

-وها هو نعيمه، ذات الأعوام الـ 13، يركع خاشعاً صامتاً باكياً على أرضٍ مشى عليها السيّد المسيح، فكانت لتلك اللحظات الأثر الدامغ في حياته رافقه حتى رحيله، فكان له لاحقا،ً عن عمر 85 سنة – أي بعد 72 سنة –  كتابه “مِن وحي المسيح”، وهو حديث ’من القلب إلى القلب‘ بين نعيمه ومسيحه.

في الفصل الأخير مِن الكتاب، يكْشِف نعيمه عن صلاته الخاصّة للمسيح، تلك التي رافقته أعواماً عديدة قبل صدور الكتاب، مصدرُها الناصرة،

والتي علّمنيها مِن عمق روحه وإيمانه، أيضاً قبل صدور الكتاب سنة 1974،

والتي لا أزالُ أُصلّيها وأردّدها حتى اليوم، كلّما خارَتْ عزيمتي وادلهمَّتْ سمائي. 

 

 -والأرغفة السبعة التي تأبّطها ميخائيل نعيمه، في مستهلّ كتاب مرداد،ظنّاً منه بأنّها تكفيه خلال مساره نحو القِمّة، قَدأصبحَتْ طعاماً للماعز.

إذْ كيف لأرغفة معدودة، مُعرّضة للتّلف والعفن، أن تكفي مسيرة مَن يبغي ’تسلّق القمّة‘؟

هذه كلّها مِن حبْكة الكَوْن التي تصبّ في كيْنونة نعيمه، تُحيكه مُتَنَسِّكاً مُتسامياً مُتعالياً فيقول:

“سَمَوْتُ، فما أحدٌ دوني.” إذ انّه أدنى مِن الجميع، وهذا مِن سُمُوّه.

 

– سنة 1932، عاد نعيمهإلى ربوع بسكنتا والشخروب في سفح جبَل صنّين، بعد هجرةأميركيّة دامت حوالى 21 سنة.

وبعد مُشادّاتٍ عنيفة وعديدة بين نعيمه الناسك، الحارق مضامير الأرضيّات، ونعيمه الواقف عند مفاتنها،

صمّم أن يغالب غريزة الإنسان الأقوى، غريزة الجنس وتجديد النسل، فغلبَها،

ومَثَلُه الأعلى السيّد المسيح الذي غلب العالَم.

فمِن عمر الـ 43 حتى رحيله عن عمر 99، صام نعيمه عن جسد المرأة كشهوة، إذ ، بالنسبة إليه، ’أتفه ما في المرأة جسدُها‘، وتحرّر مِن عبوديّته لتلك الغريزة.

-وفي أواخر سنوات نعيمه الأرضيّة، وهو في الثمانين مِن عمره، ها هي الحياة تمنحه ابنة روحيّة، لَم تأتِ مِن جسمه، لكنّها أتَت مِن تلك الحَبْكة الكوْنيّة التي زرعَت على دربه، مِن جُمْلَةِ ما زرعَتْ، أُبُوَّةٍ وبُنُوَّةٍ مِن قلْبٍ وروحٍ ونورٍ.

في فصل مِن كتاب “نجوى الغروب”، يروي نعيمه في حوار مُقتضَب ما جرى بينه وبين ابنتِه الروحيّة سهى، أقف عند بعضِ ما جاء فيه: 

-“ها هي طفلة في ربيعها الرابع … تطوّقني بذراعيْها وتطبع أكثر من قبلة على وجهي وهي تردّد: ’أنا بحبّ جِدّو قدّ البحر وقدّ السما والأرض‘.

فيكاد قلبي يقفز مِن بين ضلوعي وأتمنّى لو كان لي أن ألفّ الطفلة بشغافه، وأن أدرأَ عنها كلّ سوء، وأن أخترقَ حُجُبَ الماضي والمستقبل، فأعرف مِن أين جاءَت وإلى أين تمضي، وما هي الدرب المفروض عليها قطعها في دنياها، وبماذا فرشَتْها يد القدر”.

أخيراً،

يطيب لي أن أختم ببعضٍ من مقاطع قصيدة ’الحائك‘ لنعيمه مِن ديوانه “هَمس الجُفون”،

إذ إنّ نعيمه هو ’الحائك والمُحاك‘ في حبْكةِ الوجود العظيمة:

“أنا هو المنوال والخيط والحائك،

وأنا أحوكُ نفْسي من الأموات-الأحياء،

أمواتِ الأمس، واليوم

والأيّام التي ما وُلِدَتْ بعد.

فاضرعْ معي،

يا عابر السبيل،

كيما تكون المحبّة قائدة لمكّوكك،

مثلما هي قائدة لمكّوكي،

في هذه اللحظة التي أراك فيها على منوالي

صورةً سِرّيّةً كالقدَر،

وسرّاً سرمديّاً كالله.

فأنا لا أقول وداعاً لأحَد.

أنا ماضٍ في حياكتي.”

***

* ألقيت في الجلسة الحوارية حول ميخائيل نعيمه رائد فلسفة وأدب، من تنظيم محترف المتن الأعلى الثقافي. 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *