قراءة في كتاب “وحدة الوجود عند ابن عربي والنابلسي”
وفيق غريزي
إن لمذهب الوجود ووحدته خطره وأهميته، فهو احتل حيزا كبيرا في اهتمامات المفكرين العرب، كذلك له اثر بعيد في نفوس مفكري العرب والغربيين، ونعرف من بين الذين كتبوا اطروحات الدكتوراه عن مذهب الشيخ الأكبر في وحدة الوجود، الدكتور فيكتور سعيد باسيل، الذي كتب أطروحة حول فلسفة ابن عربي وموضوعها “وحدة الوجود عند ابن عربي وعبد الغني النابلسي”، اراد الكاتب أن يثبت أمرين:
الأول هو أن النابلسي شرح افكار ابن عربي وبين اغراضه ومراميه، والأمر الثاني هو أن ابن عربي والنابلسي وحّدا الوجود عن طريق العقل وقد بدأ الباب الأول من أطروحته بالكلام على المنهج العقلي ليحدد دور العقل في حصولهما على المعرفة وفي توحيد الوجود.

مذهب وحدة الوجود
إن مذهب وحدة الوجود، مذهب الذين يوحّدون الله والعالم، ويزعمون أن كل شيء هو الله. وهو مذهب قديم اخذت به الفلسفة الهندية، ولا سيما البراهمانية. أما في اليونان فأخذت به الفلسفة الرواقية والأفلاطونية الجديدة والصوفية.
وفي اعتقاد الكاتب، فإن لمذهب وحدة الوجود صورا عدة منها الصورة السبينوزية، نسبة إلى الفيلسوف “سبينوزا”، التي ترى أن الله هو وحده هو الوجود الحق، ووحدة الوجود عند هيغل التي تعتبر أن الله هو الروح الكلي الكامن في الأرواح الجزئية، ووحدة الوجود الطبيعية التي توحّد الله والطبيعة.
إلا أن هذه الصور، يقول الكاتب: “وإن تعددت، ترد الى صورتين أساسيتين: الأولى هي القول إن الله وحده هو الوجود الحق، وإن العالم مجموع ظواهر ليس لها وجود حقيقي. والثانية هي أن العالم وحده هو الموجود الحق، وليس الله سوى مجموع الأشياء الموجودة في العالم. والمثال في هذه الصورة مذهب وحدة الوجود عند دولباخ وديدرو”.

المذهب المثالي والمذهب المادي
اصحاب المذاهب الواحدية ينقسمون إلى فريقين، فريق مثالي، يرد الكون إلى أصل روحي، وفريق آخر يردّه إلى اصل مادي. إن ابن عربي من الذين أرسو دعائم هذا المذهب في تاريخ الفكر الإسلامي وأكمل بنيانه. إلا أن الكثير من الفلاسفة والمفكرين سبقوه الى توحيد الوجود. فالمفاهيم الواحدية سلسلة طويلة تكاد تكون متشابهة الحلقات لولا الاختلاف في هذه المفاهيم بين المثاليين والماديين.
ويرى الكاتب أن هذه السلسلة ترقى الى زمن الفيدا البراهمانية الهندية، حيث رد الهنود والصينيون الكون إلى أصل روحي: فالسر الكبير لبراهمان، ففي الفيدا ترجع نفوس جميع الموجودات إلى الروح الكلية وتبعا لهذه الصوفية، فإن كل ما هو روحي مرتبط بالروح الكلية، وفي هذا الشأن يقول الكاتب: “ولما كانت الروح الكلية في جميع الموجودات، فإن الانسان هو ايضا في جميع الموجودات، في الجماد، والنبات، والحيوان، كما انه في الله. فكاًن الكائنات كلها هي كائن واحد”.
وفي هذا السياق يقول عبد الغني النابلسي: “فالخلاف في رد القول بوحدة وقبوله، مبني على تعيين المعنى المراد بالوجود فمن فسّره بعين ذات الوجود يرد القول بوحدة الوجود”.
والصورة التي وضعها الإسلام للوجود هي صورة ثنائية محضة تقسّم الوجود الى عالمين منفصلين ليس بينهما أي جسر يمكن عبوره من أحدهما إلى الآخر وهما: عالم الكائنات المتناهية، المقيّدة في وجودها بمكان وزمان معينين، وعالم اللامتناهي الذي لا يحده زمان ولا يحصره مكان.

الحس
أما الحس عند الكثير من الفلاسفة فهو الإدراك بإحدى الحواس أو الوظيفة النفسية الفيزيولوجية التي تدرك انواعا مختلفة من الاحساس. غير أن ابن عربي لا يريد نفي الإدراك عن الابصار مطلقا، انما يريد نفي إدراكها لناحية من الحقيقة الوجودية، وهي ذات الله، إلا أن الابصار، وان لم تكن قادرة على إدراك الناحية الحقة، فإنما هي تدرك الناحية الحسية، أي تدرك جمال المخلوقات. بهذا المعنى هي امام للعقل، لأنها تقوده من ادراك الجمال المتناهي إلى الجمال اللامتناهي. ويؤكد الكاتب أن ابن عربي يقدّم المعرفة الحسية على المعرفة العقلية، ويقول النابلسي بصراحة بالارتقاء من الجمال المحسوس إلى الجمال المطلق..




