سبعون
د. جان توما
سبعون، ويصيرُ المكانُ دفترًا بألفِ ورقةٍ وورقةٍ، يزهرُ كما الفصولُ. ترى وجوهًا راغبةً ووجوهًا راضية، ما زالت البداياتُ العفوية تكرُّ في الخاطرِ؛ “عروسة” الزعتر والزيتون، ولقمة “الحلاوة”، وصحن “الدبس بطحينة” على طاولةِ المطبخ، وتأرجح النمليّةِ المعلّقة في سقفه، في ظلّ والدة تجولُ فيه من طلوعِ الضوء لإعداد الطعامِ للعائلة الكبيرة.
كانت “عروسةُ” الزيتون تقطعُ كعرباتِ القطار، وكانت العمّةُ تقلّدُ صوتَ صفيرِه مع كلّ مرورِ لقمةٍ إلى فم الطفل اللاهي بِعَدّ “عجو” حبّاتِ المشمش، أو بِعَدِّ قِطَعِ الفيلمِ السينمائيِّ، كما كانت الجدّةُ المقعدةُ في سريرِها تقومُ بِرَتي الممزّقِ من الألبسةِ، واضعة آلة الخياطة اليدويّة على صدرها.
سبعون، وبيتُك العتيق يسألُ عن شيطنتِك وملاحقتِك بالأوعيةِ حبّات المطر المتساقطةِ من شقوقٍِ سقفِ القرميدِ المتهالكِ. تطلعُ إلى سطيحةِ منزلِك العربيِّ في المدينةِ البحريّةِ، تفتحُ خزائنَ المونةِ فتلمح ُعلى الرفوفِ الخشبيًةِ مونةَ الشتاء، فتشعرُ أنّ الدنيا بألفِ خير، كما الحمامُ الطالعُ من تخشيبةِ جارِك، تعلو وتبتعد، ثم تعودُ إلى أوكارِها الأليفةِ كي لا يسلبها بردُ الشتاءِ دفءَ ربيعِ المكان.
سبعون، وحقيبة سفر الوالد جاهزة للترحال، كآباء المدينة الآخرين. كأنّ قدر المدن البحريّة أن تخلو من رجالها الخائضين موج السفر ليدرج الأبناء في المسرى نفسه مع عودة آمنة للاستقرار، لكن حكّام الوطن لم يحافظوا على الأحفاد الذين هاجروا من دون حقيبة، إلى حيث ملأوا حقيبة يومياتهم استقرارًا وأمنًا وسلامًا وراحة بال.
سبعون، والحلم بوطن ما زال يتوهّج على الرغم من مرور تكاليف الحياة الموجعة من ثورات إلى حوادث فحروب ومعارك وأزمة اقتصاديّة وغيرها، كأنّ القضايا اختارت من السبعين سبعين مشكلة لنشعر بتعب ظروف الحياة.
سبعون، ويلهو الحفيدان بالشاشة الملوّنة فيما أقلّب “ألبوم” الصور العتيق، أتلمّس جباهًا ملوّنة بعرق الحياة، والحفيدان يشهدانها متحرّكة نابضة بالحياة. تتحرًك الشخوص في صوري، في ذاكرتي، وتحكي مسرى طفولة، وتتحرًك الشخوص نفسها على شاشتهما الالكترونية متحرّرة من جمادها، صوتا وصورة، فيما تقوم العجائز من بين الصور، تهدهد أغاني عمر راح لعمر آتٍ، يحبو لمستقبل أفتى وأجلى.