سجلوا عندكم

“رحيل المقال مع الزمن” (مقالات ودراسات في السياسة والاقتصاد والإصلاح المالي) جديد حسين كنعان عن “دار نلسن”

Views: 498

صدر عن دار نلسن في بيروت كتاب “رحيل المقال مع الزمن” (مقالات ودراسات في السياسة والاقتصاد والإصلاح المالي)  للدكتور حسين كنعان وهو يتألف من قسمين: القسم الأول يتضمن مقالات كتبت في الصحف والمجلات بين 1975 لغاية اليوم، والثاني يتضمن مقالات حول كتبه بأقلام مجموعة من أهل الفكر والإعلام… في ما يلي كلمة الناشر سليمان بختي ومقدمة د. حسين كنعان .

 

كلمة الناشر

يكتُب الدكتور حسين كنعان مقالاتِه، في هذا الكتابِ، على وقعِ الحدثِ والحاجةِ إلى شَرحِه وتفصيلِ أبعادِه والموقف منه. وما يميّزُ هذه المقالات، عدا تاريخها، هو الأساسُ الذي بُنيَت عليه والمبدأ العِلمي الذي انطلقت منه.

والدكتور كنعان هو مع أن يبقى المقالُ في الواقِع، وأن ينمو ويحيا في المبدأ الأخلاقي. وهمُّه في كلِّ ما يكتُب أن يشهدَ للحقّ، والحقّ هنا على ما يقول، هو الحقيقة والتاريخ معًا.

يدعو د. حسين كنعان في مقالاتِه إلى إصلاح النِّظام السياسي بما يُتيح للبنانيين فُرص العيش الكريم القائم على العدالة والمُساواة. كذلك يدعو إلى نبذِ التعصّبِ العِرقي والديني والمذهبي، وإلى سيادة العقل، وبرأيه أن العقلَ الفاعلَ هو الوجودُ بحدّ ذاته. ترتدي هذه المقالات أهميةً قصوى لأنها سجلٌّ تاريخي لأحداثٍ ومواقفَ وتطورات، على مدى نُصف قرن وأكثر، عاشها كنعان ودرسها وتابعها وكتب عنها.

يقتربُ د. حسين كنعان في مقالاته من السياسي لجهة نمطِ تفكيره ولظروف البنية الاجتماعية التي نشأ فيها. نجدُ الكثيرَ من الفوارق، مثلاً، بين شخصية كيسنجر ودالاس لجهة التهديد بالقوَّة في حال لم تتطابق سياسةُ الولايات المتحدة مع هوى المنطقة. ولعل من يقرأ هذه المقالات والدِّراسات سيجد أن كاتبَها عاشَ عصرَه وتفاعلَ معه على المُستوى المحلي والإقليمي والدولي، وأنه وظَّف عِلمَه ومعرفتَه وخبرتَه لأجل فهمٍ أعمق لدورِنا في العالَم ومكانتِنا في التَّاريخ.

يتوقَّفُ، مثلاً، عند قضية الولاء والانتماء في بلادنا، وهي قضيّةٌ إشكاليّةٌ ومتداخلةٌ في عدة انتماءات عصبيَّة وعائليَّة وعشائريَّة وطائفيَّة، إذ يستعرضُ، وعبر مراحلِ التاريخ، كيف تطوَّر الانتماءُ من خلال روابط الجغرافية الاجتماعيَّة ليُصبحَ الانتماء والولاء السياسي ملتقيًا مع الأحلامِ الاقتصاديَّة للفردِ في أوروبا، من دون عُقد الخوف وتشنُّج الولاءات القوميَّة.

أسمعُه يُعرّفُ “الذاتَ الوطنيَّة بأنها وحدةُ المصيرِ التآلفيَّة ضمن قالب الغايات المنشودة”، ولكن ماذا عن القيادة ودورِها هنا وعلاقتِها بالذات الوطنيَّة؟. يقول: “والقيادة هي جذورُ هذه الذات إلى أبعد مدى زمني وجغرافي وحضاري…”.

كتاب “رحيل المقال مع الزمن” مقالات ودراسات في السياسة والاقتصاد والإصلاح المالي للدكتور حسين كنعان، هو دعوةٌ عقلانيَّةٌ تستندُ إلى العِلم والمعرفةِ كي تبقى القِيمُ الساميَّةُ في بلادنا تنمو وتتقدَّمُ في كلِّ مجالٍ وفي كلِّ نِطاق.

المقدّمة

من لبنان الجميل يرحلُ المقالُ السويّ ذات النكهة الأكاديميَّة، ويُحلِّق معه التألُّقُ والفكرُ والإبداعُ، كلّ ذلك يعودُ إلى أننا تركنا المجالَ للتعصُّب المذهبي والعشائري وآفات أخرى كي تُهيمنَ على طريقة تفكيرنا وسلوكِنا في الحياة. البعضُ منا جعل من التطرُّف في هذه الحُقول سدًّا منيعًا في وجه النُّهوض السياسي والإنعاش الاجتماعي، والبعض الآخر راح يتأرجَحُ ما بین الفدراليَّة والديمقراطيَّة العدديَّة والمشاريع الطائفيَّة الأُخرى.

يرحلُ المقالُ عندما يرى أن الحاكِمَ ديکتاتور لا يرحم، وأن أرض الوطن تهتزُ تحت أرجُلنا كلّ يوم ولا من يسأل، وأن كلًّا من المُواطن والحاكِم لا يُعطيان أرضَ الوطن قدسيَّتها وحمايتها.

خلق الله كوكبَ الأرضِ وخلقَنا عليه لنملأه طمأنينةً ومحبَّةً وسلامًا، ولم يُعطنا إياه مادة للصراع والقتل والدمار، بل منحنا إياه مادة أخلاقيَّة ورحمة في وجه الأشرارِ والفاسِقين وتُجَّار الدِّين. وعلينا أن نُدرك تمامًا ونتساءل: هل كان التاريخُ حقيقةً أو كانت الحقيقةُ تاريخًا، ولكن الحقّ دائمًا هو الحقيقة والتاريخ معًا.

 نعم يرحلُ المقالُ المصونُ عندما يحمِلُ أبناءُ الوطنِ في طيَّات أفكارِهم سلوكَ المدرسةِ “الغجريَّة” ” التي تستندُ على مبدأ الرَّحيل، وأن الأرضَ حالةٌ مناخيَّةٌ نقطُنها حين نشاء ونترُكها حين نشاء بناء على المناخ، ولا تربُطنا بها سوى الذكريات والحسَرات، وهي عكسُ بعض المُعتقدات التي تعتبِر أن الله أعطانا هذا الكوكب وطلب منا أن نُحافظَ عليه ونُغني جمالَه ورونقَه وعصمتَه، وبقدر ما نُعطيه جمالًا بقدر ما نقتربُ إلى الله. أيضًا هي عكسُ الرَّحيل إلى الوطن الذي يُشبهُ واحةً واسعةً من الحريَّة والديمقراطيَّةِ والعدالةِ، ولا ضرورة لوطنٍ يُشبِهُ القلعةَ الصخريَّةَ والمتاريس الحديديَّة، وكما قال الفيلسوف ابن رشد: “على الضفَّةِ الأخرى يقطُن الآخرُ والآخرُ هو أنا”. 

       مع كلّ هذا نأتي إلى السؤال الكبير: لماذا دائمًا الهِجرة إلى الغرب ولم تكُن يومًا إلى الشرق، أو كما قال الشاعر الإنكليزي إدوارد كيبلينغ “الشرقُ شرقٌ والغربُ غربٌ ولن يلتقيا أبدًا”، وسببُ ذلك يعود إلى طريقة اختيارنا النِّظام السياسي الذي يحكُمنا ونحتكمُ إليه… هناك مختبران للنِّظام السياسي في العالَم: النِّظام الفيزيائي والنِّظام الكيميائي. اختار الغرب النِّظام الفيزيائي واختار الشرق النِّظام الكيمائي. يجعل النِّظام الكيميائي الذرَّات تلتقي مع بعضِها البعض، وتذوبُ في الكلّ ولا يبقى لها خيارُ الانفصال عن الكلّ، فإذا كُنتَ ذاتَك فأنت ذاتك، كما يقول الفيلسوف الفارابي، ولكن إذا كنتَ جزءًا من الكُلّ فأنت غير ذاتِك. 

أما المركب الفيزيائي، وهذا ما اختاره الغرب وعمِل بمبادئه، فهو مبنيّ على أن الذرَّات تلتقي مع بعضِها البعض وتُشكِّلُ وحدةً مُتراصَّة لكنها قابلةٌ للانفصال والعودةِ إلى ذاتِها إذا شاء أهلُها، حسبما يقول الفارابي: “إن الذرَّة (المادَّة) لو كانت بذاتها قابلةً للانقسام لحملت في طيَّاتها إمكانيَّةَ تحديد ذاتها (الذرَّة) الجوهر الفرد الذي لا يتجزَّأ”. 

يدفعُ المركب الفيزياني الأفرادَ إلى التعاون في الوطن ويُحافظ، في الوقت ذاته، على خُصوصيَّة الانتماء وحريَّتِه في الانتقاء وحريَّة الأفعال. أما المركب الكيميائي المُتماسك فيفرِض عليكَ، شئتَ أم أبيتَ، أن تنامَ في خيمة القبيلة وتعملَ بأوامرِ وطاعةِ رئيسِها، وإلا تُطردُ من القبيلة وتُصبحُ كالبعير الأجرب. 

تدلُّ تجاربُ الإنسان أن المُختبرَ الفيزيائي يلتقي مع الديموقراطيَّة والتنوُّع، عكس المُختبر الكيميائي الذي يلتقي مع الديكتاتور والطَّاعة المُطلقة له. السُّلطانُ في المُختبر الكيميائي يقهَر العقلَ ويلجأ عادة إلى الدِّين ليتخلَّصَ من طاغوتِ رئيسِ القبيلة أو الزَّعيم أو الحاكِم الديكتاتور ولم يتبقَّ له إلَّا الرَّحيلَ. 

السؤال الكبير هو: كيف يرحلُ المقالُ عن بلدٍ مثل لبنان، البلد الذي أعطاه الله كلّ مُواصفاتِ الجمالِ، أعطاه قطعةً من سمائه، كما يقول الشاعر سعيد عقل:

كأن هنا صكّ المُلهمون الصَّخرَ

كأن هنا على الشطّ غاص الله… وابتردا

وقال نعرفُها غيبًا وتهجئةً

هذي السَّماءُ التي صارت لنا بلدا.

أعطاه الله جمالًا مُميَّزًا ومناخًا مُعتدلًا، كما أعطاه شاطئًا رائعًا على البحر الأبيض المتوسط، تغتسلُ رجلاه برماله النَّاعمة، ويسنُد ظهرَه إلى جبالٍ شمَّاءَ تُحاكي الباري في عليائها، ويُطلُّ من على قِمَّتِها الأرز الخالد على الوجود والتَّاريخ.  والسؤالُ الذي لا جوابَ عليه هو كيف يرحلُ المقالُ عن هذه الأرض التي بارَكها الله؟

ربما لأن اللُّبناني يتطلَّعُ إلى مُجتمعٍ عِلماني بعيدٍ عن المذهبيَّة والتعصُّب الديني، ولأن الحقيقة المُطلقة لديه في العُمق هي أن العقلَ الفاعلَ هو الوجود، الذي لا يُمكن إدراكه بالعقل البشري، لذلك ترك للإنسان دوره وحريَّته في أن يعبُد ما يشاء، ولكن عليه السَّماح للعقل بأن يبني له مداميكَ الديمقراطيَّة والحريَّة والعدالة، كما يقول الفيلسوف أبو الحسن الأشعري: “منحُ العقل أهميَّة مُطلقة لا يُفضي إلى دَعم الدِّين، كما زعمَ المُعتزلةُ، بل على العكس، قد يُفضي إلى نفي الدِّين، أو إلى استبدالِ العقلِ بالإيمانِ”.  وأخيرًا رحلَ المقالُ.   

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *