سجلوا عندكم

“المتاهة” رواية تكسر  الجليد

Views: 1457

سمية تكجي*

 

المتاهة” للروائية د. لطيفة الحاج قديح- صادرة عن منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده.

(رواية معاناة أم مع ولدها الوحيد في رحلة الشفاء الطويلة من مرض الفصام).

 

حين حملت الرواية لأول مرة ..تهيبت منها و تساءلت هل في وسعي قراءتها في زمن بات يقول لنا “كن نحيلا لتُقرأ” ؟

لكنني ما أن مخرت عباب الحبر حتى أخذتني بكل جوارحي و التهمتها كما التهم الشوكولا الداكنة بحلوها ومرها…!! و كأن كل صفحة من صفحاتها بمثابة توقيع على صك حياة …!!

 

العنوان و الغلاف:

المتاهة …سيقف القارئ عند عتبة الرواية و يسأل: لماذا هذا العنوان الذي يشي بمفردات شتى …احلاها مر …؟

نعم هي رحلة وفاء الأم الكاتبة مع ابنها ربيع في رحلة الشفاء الطويلة من مرض الفصام …كما عرفت الكاتبة في مستهل الرواية .

اللوحة بريشة حفيدة المؤلفة الفنانة ياسمين روي . اللوحة تثير الفضول بألوانها العشوائية القوية الصارخة المتلاطمة و المتداخلة حيث تغطي رأس بطل اللوحة ووجهه، و كأنها تحجب عنه الرؤية و تمنعه من التفكير… السوي .. و هي معبرة جدا عن مضمون الرواية.

الرواية تتمحور حول البطلة وهي الأم الكاتبة و ابنها ربيع التي تتولى هي سرد يومياتها معه … من اجله… و في غيابه مع حمولة ثقيلة جدا من المعاناة النفسية والجسدية وحتى الاقتصادية بصدق أم تعطي دون مقابل …!

الأم الكاتبة التي تمتلك ناصية الأدب و اللغة عرفت بمهارة كيف تحول الجرح شكلا نحمله بأيدينا  و المعاناة وزنا نحس بثقله المتعب و البليغ في آن …!

ادخلتنا وفاء الى المتاهة و لكن اعطتنا بيد أخرى قنديلا نحمله في عتمة السطور من ضوء صبرها و حكمتها …جعلتنا نشاهد الكوابيس المتلاحقة، لكن ابقت بعض حلم لنا من عظيم ايمانها و قلبها الكبير …عشنا معها خيبات متعددة، لكنها امسكت بيدنا و اعطتنا خيطا سلكناه حتى آخر أنامل السطور …!

الروايات التي تتناول الاضطرابات النفسية – خاصة المستعصية على الشفاء – هي درب صادمة و قاسية على الكاتب و القارئ على السواء…لكنها أيضًا مهمة جدا لأنها بمثابة وسيلة نقل تحط بنا في رؤوس المرضى المضطربين الضائعين في خضم تعقيدات افكارهم لنفهم ما هو الفصام وما ادراك ما الفصام، هو المرض العقلي النفسي الذي يسميه  اهل الاختصاص : “سرطان الأمراض النفسية”. لأن علاجه مستعص جدا ولأن ظروف معاناة المريض تنعكس على كل نواحي حياته وعلى كل من حوله.

جرأة الكاتبة في اقتحام هذا الموضوع في روايتها:

ما زلنا في مُجتمع يخجل من الاعتراف بالمرض النفسي و يتجنب البوح به او عنه .لكن المؤلفة رمت حجرا كبيرا في بحيرة الصمت فطاف على سطحها كل اعماقها …

..نستذكر كافكا حين قال:

“لماذا الكتابة ان لم تكن فأسا تكسر الجليد …!!!”

هي لم تكسر الجليد فحسب… بل قدمت للقارئ يوميات هذا الاضطراب من الألف الى الياء . و قد أوصى طبيب الأعصاب الدكتور “سامي ريشا” ان يقرأ هذا الكتاب كل انسان لديه مريض بحالة الفصام . و اعتبره مرجعا مهما لم يكتب على مثاله اي كاتب . على الاقل في لبنان و المحيط العربي. رواية المتاهة هي عمل صادق و شهادة عن مرض نفسي عضال قلما يحكى عنه . لكن الكاتبة رسمت من الألم لوحة حية ناطقة و من المعاناة جسدتها وزنا حملناه و عاينا مدى ثقله على الأكتاف ، جعلتنا شركاء في ألم ربيع و خوفه و وحدته و في كل ما يحيط به سواء داخل العائلة او في العالم الخارجي …لأن معاناة بطلة الرواية الأم وفاء كانت مضاعفة فمن جهة مكافحة المرض و من جهة أخرى مواجهة ومكابدة كل ما ينتج عنه على كل صعيد في الحياة .

الأم الكاتبة:

الأم عطاء بلا مقابل وتضحية لامتناهية، ولكن حين تكون الأم كاتبة وتعيش الأدب كخيار فني وخيار حياة فإن العطاء والتضحية وكل سمات الأمومة تكتسي عباءة الوعي والحكمة والدراية وهذه الأمور تجلت في كل سلوك الام وفاء بطلة الرواية ..

هذا يدفعنا للتأمل عن الأدب والكتابة والدور المهم لهما في ارتقاء الإنسانية في الإنسان ودورهما في رفده بجيوش من الطاقة والاحتمال  حين تهب أعاصير المعاناة …وهل اصعب من معاناة أم مع ابنها و المصاب بالفصام، حين تقرأ الرواية وخاصة خلال حوارات الام وفاء مع ابنها ربيع خلال النوبة وقبلها وبعدها ؟

خلال هذه الحوارات حرصت الكاتبة ان تجعل القارىء يدخل معها الى أقرب نقطة من عقل ربيع حين يتشظى…و ان يغوص معها في موج افكاره المتحركة… تكاد تسمع الصوت وترى المشهد بوضوح أمامك، وترى مرايا نقية صادمة تنعكس فيها وجوه الشخصيات بكل قسماتها وخطوطها، وتنعكس من خلالها عيونهم وتأثير تلك اللحظات المؤلمة عليهم …! ستسمع وفاء كيف تستمع بمنطق الى اللامنطق… وكيف تتحمل ما لا قدرة لإنسان على تحمله غير الأم وطبعا الأم المحبة الكاتبة الواعية .

 

الفن ودوره في علاج النفس أو التعبير عنها

الغيتار والموسيقى في حياة ربيع و كم سعت الأم ليكون لولدها ملاذا يستنهضه من وحدته …فشل مسعاها حينا و حينا كاد ان ينجح

نعود الى الرواية و السطور التي ألفها ربيع في أغنية trauma …التي تعبر بصدق عن مشاعره

اعادتني هذه الفقرة من رواية لطيفة الحاج الى رواية جون فوس melancolia عن سيرة الرسام لارس هرترفيك المصاب بالبارانويا و الفصام و لوحة الأشجار المنحية Los arboles torcidos/ الأشجار الملتوية حين يعبر الفن عن حالة الفنان النفسية و يكون في الوقت نفسه نوعا من العلاج …

شهدنا “متاهات “و روايات غربية رُويت بلسان كاتبيها على سبيل المثال ” السيدة دالاواي” لفرجينيا وولف كأن هذه الرواية كانت صوتها و هي التي كاتت تعاني من اضطراب عقلي مضني و مؤلم جعلها تضع حدا لحياتها…و كذلك سيلفيا بلاث في رواية “جرس من زجاج”…و هي ايضا كانت فريسة للإضطراب العقلي و قضت انتحارا ..و لكن ثمة روايات رويت عن عظماء عانوا الإصطراب العقلي كما في رواية جون فوس melancolia …و كذلك mente maravillosa  و البطل هو عالم الرياضيات جورج فوربس ناش و الكاتبة هي سيلفيا نصار.

المشترك ربما بين كل هذه الروايات أن ابطالها فقدوا معنى الوجود و التهمهم الخواء الروحي…

وانهم العالقون…!! لا ملاذ لهم بين مد و جزر لا ينتهيان : واقع دواخلهم الذي يشبه المتاهة وواقع العالم الخارجي الذي لا يعير الإهتمام لوجودهم … إنهم العالقون …!!!حيث لا يستطيعون الهروب من و إلى … و هذا بحد ذاته أقصى حدود الألم.

أهنىء الكاتبة د. لطيفة الحاج قديح على هذه الرواية التي، برأيي ككاتبة و قارئة، سوف تشكل بالنسبة للقارئ بعد قراءتها ما قبل و ما بعد. وأهنئها لأنها رواية تعلم أيضًا أن العلم لا يكون ناجعا بلا حب ولا الدواء شافيًا بلا اهتمام .

***

*شاعرة قاصّة

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *