سجلوا عندكم

رسالةٌ من القلب إلى مَن استُشهِدوا 

Views: 484

 الدكتور جورج شبلي

لستُ، هنا، في معرض رِثاء، فزمنُ بكاءِ الوطنِ وَلّى… ولكن :

من وجدانٍ مصلوبٍ فوقَ حزنٍ من لَحمِه، ومن قلبٍ يَنثرُ أجزاءَه فوقَ مُسَجّاكم، ومن صَوتٍ تآكَلَتهُ غَصّاتُ الدّموع، ومن أَلَمٍ يُنذِرُ بِفِقدانِ الرُّشدِ أَسًى، مُكرَهٌ أنا على الكتابةِ، وقلمي، كفُؤادي، مُشَظًى…

أيّها الجنودُ الشّهداء، يا عُشّاقَ النّضال فداءً عن لبنان،

يا مَن سقَطتم، وجعلتُم دماءَكم وليمةً لكرامةِ الوطن وشعبِه، لكي لا يَطمرَنا وَحلُ الأرض،

يا مَن سَقَطتُم لئلّا تسقطَ تَطلّعاتُ شعبٍ تائقٍ الى وطنٍ حرٍّ، لا تُحبَطُ فيه أحلامُ أَجيالِه،

إنّ استشهادَكم هو مَلمحُ الاستقلالِ الثّالث، والذي أعادَ، عَلَنًا وبِحروفٍ من دَم، إيمانَنا باستعادةِ الوطنِ، مُعافًى، مِمَّن اختَطَفوهُ وكَبَّلوا عَطَشَهُ للحياة، وزجّوا به في جهنّم، 

إنّ استشهادَكم هو انكشافُ الحجابِ عن يوضاسِيّين معروفين جرّعوا لبنانَ مُرَّ الموت، وجعلوا من جراحه معرضًا، وجعلوه في كفنٍ يزفُ رمادًا، 

إنّ استشهادَكم دافعَ عن كرامةِ وطنٍ أرادوه سلعةً لقُطّاعِ الطُّرُق، قابِعًا في عصرِ القَبَليّةِ والغَوغاءِ، عصر النَّهبِ والفسادِ والعَمالةِ والخيانة، ليتحوَّلَ الوطن غنيمةً تَتناتشُها أنيابُ الخِزيِ والعار، ورَقمًا في جدولِ القَتل،

كنتم وَعدَ الغَدِ الآتي، فحوّلوكم مشروعَ اختناقٍ بالموت. لقد ناضلتم، في مؤسّستكم المُعانِقة للوطن، لينعمَ البلدُ بالعدلِ والحريةِ واحترامِ الحقوق، لأنكم عِرقٌ من عُروقِ هذا الوطن، فانتهكوا آمالَكم وجعلوها رمادًا، ورَمَوا بكم في عُزلةٍ مُتَوَغِّلةٍ بالبُعد، لكنّها، لنا، فُسحةُ نورٍ تُنعِشُ فينا قواميسَ الولاءِ، والاندفاعَ للتضحيةِ في سبيلِ الحقِّ واسترجاعِ الكرامة،

إنّ استشهادَكم رحلةٌ في زمانِ لبنان، تختصرُ بطولاتٍ لم يُخالِطْها زَيَف، وهو قاموسٌ لإعادةِ تأهيلٍ وَلائيّة، بعدَ أن كان الولاءُ شَريدًا، وبحاجةٍ الى وكالةِ غَوثٍ، لكنّكم زرعتُم  في الحناجِرِ والقلوبِ هُتافًا واحدًا هو: ” لَبَّيكَ لبنان”.

ثِقوا، يا أَغلى المُتَرَحِّلين غَصبًا، بأنّنا لن نَدَعَ القَتَلَةَ يجعلون من جِراحِكم مَعرَضًا، ولن نكتفيَ بِتَمتَمةِ مراثي الحَنين، وبالبكاءِ تحتَ انسحاقِ قلوبِنا بِدَمعٍ يَصفعُهُ اليأس، فاستشهادُكم أَمطَرَ علينا شَمسًا، وجعلَ حزنَنا جريئًا، وحوَّلَ شلّالَ أَسلاكِنا جوازَ عُبورٍ الى النّور، وعلَّمَنا ألّا نكسرَ جباهَنا بالذلّ.

ثِقوا، يا شهداءَ بلادي الأحبّاء، بأنّ استشهادَكم تَحوَّلَ خبزَنا الموعود، فلا نعودُ، بهِ، وَقْفَ الشّيطان، وهكذا، جعلَنا استشهادُكم نُصَدِّقُ بأنّ اليومَ الثالِثَ موجود.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *