رينيه ديكارت أبو الفلسفة الحديثة
وفيق غريزي
عرف القرن السادس عشر بالثائر المجدد، فقد تجسدت في عباقرته روح النقد والبناء ، وحب الإصلاح والتقدم المستمر . وكل هذا يعود الى خمسة حوادث تمثل انتفاضة اخرجت الإنسان وحررته من بوتقة التقاليد التي كانت تحول دون السير الفكري لسبر اغوار الحقيقة ، والسير نحوها، وهذه الحوادث او العوامل هي :
1- اكتشاف الطباعة التي نشرت العلم وجعلت الثقافة من طريق المطالعة ، فاصبحت العلوم في متناول كل فرد من افراد المجتمع لا فرق بين طبقة وأخرى ، فالجميع سواسية .
2- سقوط القسطنطينية على ايدي الأتراك ، مما حمل الأغارقة على الهرب إلى إيطاليا ، حيث بنوا المدارس ، وعمموا فيها الفلسفة ، وقد ساعد وجوداليونان في الغرب على احياء جميع العلوم . وبناء على ذلك ، تسابقت العقول في مضمار النظريات الفلسفية .
3- اكتشاف العالم الجديد( اميركا) عام 1492 وطريق الهند عام 1498، ما جعل الانسان الغربي يتعرف على عالم غير عالمه .
4- ظهور الحركة الدينية الإصلاحية على يدي مرتن لوثر الذي علم الناس كيف يجب ان يجادلوا وان يثوروا على كل حكم لا يسلم به العقل الصافي . وكان لوثر يحتقر فلاسفة اليونان حتى ارسطو المعلم الاول ، ونادى بالناس قائلا: ” استندواالى ذواتكم في التفتيش عن النور “.
5- الاكتشافات العلمية ، فقد عمم الجبر ، وقانون سقوط الأجسام ، وحركة السيارات الفلكية ، كل هذا اضعف من سيطرة الخرافات على العقل البشري ، والى نظرية تقول بان الطبيعة قايمة على جبرية صارمة لا يمكن للخوارق ان تسيره باتجاه الممكن ، او المحتمل ، او الشاذ . فهذه العوامل جعلت الصراع قويا بين العقل الذي يحكم وفقا لما يقتضيه المنطق السليم ، وبين التقليد الذي يحكم وفقا لما يقتضيه راًي الاقدمين .
وقد نال العقل قصب الفوز في القرن السادس عشر ، وكان ابطال هذا العصر ثلاثةمن رجال العلم والفلسفة، ثلاثة عباقرة هم : ” بيكون – غاليله – وديكارت ) . فبيكون هو القايل بضرورة الاستناد إلى الملاحظة والاختبار بنفسه ، فبقي نظريا اكثر منه عمليا ، ولذلك لم يكتشف . اما غاليله فلم يترك هذا النقص ، فحصر جميع نشاطاته العلمية في العقل العملي ، مضيفا بذلك إلى خزينة العلم عددا كبيرا من الاكتشافات ولذا سمي ” ابو العلم الاختباري ” ، علم الناس كيف يمكنهم ان يدركوا حقيقة الطبيعة بفضل الاختبار والحساب ، فكان عقليا اكثر منه نظريا. ثم جاء ديكارت ووقف بين ما قصًر به بيكون ، وما قصر به غاليله وهو النظرية . ولذا سمي ” ابو الفلسفة الحديثة”.

تلميذ نموذجي :
هو رينيه ديكارت ، ولد في 22 آذار عام 1566 في مدينة لاهاي المعروفة اليوم باسم ( لاهاي ديكارت ) عمدته كنيسة سان جورج التي لا تزال قايمة حتى اليوم ، في الثالث من شهر نيسان .
والده يواكين ديكارت احد النبلاء ومستشار الملك في مجلس بريتانيا ، ووالدته حنة بروشار ، كان لديكارت اخ اسمه بطرس واخت اسمها حنة . عاش فيلسوفا محروما حنان الام بعد ايام قليلة من ولادته ، بسبب مرض السل الذي اصاب رئتي امه . وهذا المرض أورثته امه له بعد موتها ، ولذا قال رينيه : ” ورثت عن والدتي سعالا جافا ولونا باهتا احتفظت بهما حتى العشرين من عمري ، مما جعل الاطباء الذين عاينوني قبل هذه السن يحكمون عليً بالموت في ريعان الصبا .
دخل رينيه ديكارت في الثامنة من عمره مدرسة ( لافيش ) التي اسسها هنري الرابع ، وكان تلميذا نموذجيا ، وحين انتقل من دراسة الآداب الى دراسة المنطق والطبيعة والميتافيزيقا ، سرعان ما اصيبت اماله بالفشل ، جراء طرائق التعليم ، وغموض المذاهب . بعد ذلك انصرف إلى درس الرياضيات بحماسة شديدة، واهتم بالمعتقدات السرية التي كانت شائعة في ذلك العصر بفضل رعاية ملكة فرنسا ماري دي مديتشي زوجة هنري الرابع . في العام
1613 ترك المدرسة بعد ان تعلم اللاتينية والرياضيات بصورة عامة . ثم ذهب إلى بواتييه لدراسة الحقوق وحاز شهادة البكالوريوس ثم الليسانس ، وفي الوقت نفسه قام ببعض الدراسات الطبية ، ثم انتقل الى باريس وانخرط في سلك الجندية ، ولكن معاشرته لعامة الناس ، والانغماس في الملذات واللهو حمل نفسه أحمالا ثقيلة ، وفي العشرين من عمره انخرط في جيش الأمير موريس دي ناسو وقضى معظم حياته بالتنقلات والجولات والانخراط في الجندية .
عام 1649دعته ملكة اسوج ( كريستين ) إلى المجيء ليعلمها مبادىء الفلسفةفلبى الدعوة بعد تردد ، من عاداته انه من محبي النوم ، ولكن بعد ان يستيقظ يبقى ساعات في التامل مع نفسه ، بقي في ستوكهولم حتى اصيب باحتقان في رواياه ومات في 14 شباط عام 1650 ودفن في مقبرة الأجانب .
ولكن في العام 1667 حملت رفاته الى فرنسا وأودعت في أحتفال جليل في كنيسة جنفياف دي مونت . وفي العام 1799 صدر امر بنبش رفاته وأودعت في متحف الأضرحة الفرنسي مع الذين يمثلون امجاد فرنسا .
يذكر ان ديكارت اول من طالب بحقوق العقل الانساني، وقد ترك من اثاره الفلسفية : مقال في المنهج – التاملات – القواعد لهداية العقل – مبادىء الفلسفة الخ..

الشك طريق اليقين :
لقد شك ديكارت بكل شيء ، في نفسه، وفي الله ، وفي الحواس والعالم ، وفي الآراء القديمة. ولكن شكه شك منهجي ، وليس شكا يقينيا خارجا من القلب ، كان شكه طريقا الى اليقين والحقيقة ، لان الشك الحقيقي يبلغ الحقيقة جلية لا تشوبها شائبة ، كفر وصوم ، فقد اتبع الشك حتى يبلغ الحقيقة، وبرهان على ذلك ما شك به امن به اخيرا .
بداً شكه اولا بالحواس فقال :” ان الابراج نراها اسطوانيةعن بعد ، وعندما نقترب نراها مربعة ، ففي هذا تكون الحواس قد خدعتنا ، ولم تعطنا الحقيقة “، وقدم لنا مثلا آخر عن خداع الحواس هو ” إذا وضعنا قضيبا مستقيما من الحديد في دلو من الماء ترينا اياه الحواس والعين التي نرى بها انه منحن بعكس الحقيقة تماما “.
وبقي ديكارت يشك ويزداد شكا يوما بعد يوم إلى ان رسى على صخرة ( أنا أفكر، إذا أنا موجود ) وهي التي اصبحت في ما بعد حجر الزاوية في بناء صرح فلسفته الحديثة المبنية على العقل ،العقل الإنساني يقول في مقالته :
” فلما رايت الحقيقة ، أنا أفكر ، إذا أنا موجود ، فعندما اكون موجودا بالتوضيح والتمييز والفكر ، من سبب وجودي؟ ، لستأنا علة وجودي بالطبع، لاني ناقص ، فلذلك ي ضروري ان يكون هناك اله كامل هو علة وجودي : ” إذا أنا موجود ، فالله موجود ، وفي وجود الله وجود العالم ، لان الله لم يخلقني وحيدا “. يعني في ذلك ان الله علة لوجود العالم والأشياء والحيوانات . إلى هناينتهي شك ديكارت .
لقد راينا كيف شك ديكارت بالله والعالم ، وذلك يعود لتخوفه من البلبلة السائدة في الاحكام ، ولانه يبتغي ان يبني احكامه على صخرة صلبة لا تتزعزع ، وحقيقة لا تقبل الجدل ، وبعدها نشط إلى العمل في سبيل تقويم الاعوجاج،وكان بدء شروعه في وضع المنهج ، مستمدا اياه من الروح الرياضية ، لان الرياضيات هي العلوم الوحيدة التي يتفق جميع الناس وجميع العقول على صحة قولها . فعلى هذه الصخرة ( أنا أفكر ، إذا أنا موجود ) ، والتي نقضها الفيلسوف الالماني المعاصر مارتن هيدغر بقوله : ” أنا موجود ، إذا أنا. افكر ، على صخرته تنفس ديكارت الصعداء ، وخف لاستشراف أعالي الحقيقة . وقد رفع بناء ضخما ذا ثلاثة اجنحة ، الاول خاص بالنفس ، والثاني خاص بالله ، والثالث خاص بالمادة . وجعل ركائز منهجه اربع قواعد كانت بمثابة دستور لفلسفته وبلوغه الحقيقة .

الإيمان بوجود العالم :
في حوزة ديكارت الان حقيقتان ثابتتان،لا يمكن الشيطان ان يزعزع أركانهما ، لانهما صادرتان من الفكر البدهي الوضح التمييز ، وهاتان الحقيقتان هما النفس والله ، “ان أفكر ، إذا أنا موجود “، و” أنا موجود ، إذا الله موجود ” .وقال ديكارت: في ذلك : ” في عنقي ميل طبيعي إلى الإيمان بوجود العالم ، والله لا يضع في مثل هذا الميل الفطريّ، ان لم يكن ثمةكاين ، لا ينجم عن إرادتي ، إذا يجب التسليم بوجود في الخارج”. هنا لم يعباًديكارت باخطاءالحواس ، وضلالات الاحلام ، وصفات الله ثابتة، وصفات العالم الخارجي الامتداد والحركة .
الفضيلة والخطأ:
أبدى ديكارتي في التامل الرابع ما ياًتي:” ليس لي ان أشكو من الله،حين أوجدني في الدنيا- لم يشاًان يجعلني في منزلة انبل الأشياء وأكملها ،
بل يدعوني إلى الرضى ، انه لم يهبني كما لم يعصمني من الخطاً، بالوسيلة الاولى التي باشرتها في ما تقدم ، والتي تعتمد على معرفة واضحة بديهية لجميع الأشياء الممكن ان اقضي فيها – ترك في مقدوري على الاقل الوسيلة الاخرى ، وهي ان أتمسك بالتصميم على ان امتنع دوما عن إبداءرايي في الاشياء التي لم تتبين لي لاني وان كنت آنست في ذاتي ضعفا ، مرده قصوري عن ان احصر ذهني ( الادراك) ،باستمرار في حدود فكرة واحدة ، استطيع من اطالة التامل ومراجعته ، ان انقشه على صفحة ذاكرتي نقشا قويا يجعلني لا انفكّ عن تذكره كلما احتجت اليه .
وعلى هذا النحو يتيسر لي ان اكتب عادة الخلو من الخطاً. ولما كان هذا اعظم كمال ، بالقياس إلى الانسان ، فاني احسب ربحي اليوم كثيرا بهذا التامل ، لانني كشفت عن علة الخطاً والزلل “.
الخطاً عند ديكارت ليس مرده من الله أبدا ، ولكنه نقص في الانسان ، يمكن تلافيه في الادراك ، فليست قوة الادراكي الخطاً ، ولا قوة الارادةهي نفس الخطاً ، لكن تسرع الارادةفي التنفيذ خارجة عن حدود الإدراك الواضح المميز ، والخلاصة هي : على الارادة ان تسرع في أحكامها قبل ان تسقبل النور الذي يزودها به الإدراك ..

حول بعض النصوص الديكارتية:
– النفس:
” أنا أفكر ، إذا أنا موجود “: ان الوجود في ان أفكر ليس جديرا إلا بالنفس ، والوجود الجدير بالنفس هو الفكر ، بأوضح معانيه ، الفكر لا ينصرم بتصرم الزمان ، ان الحالات النفسية من فرح وسرور ومرن وكابة وغيرها بحاجة إلى الفكر ، وهي تشرق وتغيب ، وهذا دليل على طروءها ، لان خاصية الطارىء ان يعبر ، لذا لا تستحق صفة الوجود الأصيل ،ان الوجود الحق هو الذي يوجد على الدوام . ومن هنا كان الفكر الذي لا ينقطع عن ان يفكر ، هو الكفالة لكل حالة في النفس ، قال ديكارت : ” بديهي كل البداهة ، انني أنا الذي اشك وانا الذي ارغب ، وانا الذي افهم ، ولا حاجة إلى شيء آخر يزيدني إيضاحا ، ومن المحقق، كذلك ،انني قادر على التخيل ؛ لا هذه القدرة على التخيل ، رغم القول ان لا شيء مما أتخيل هو شيء حقيقي ، لا تعري من الوجود في ، لا تنفك جزءا من فكري ، وأخيرا أنا الشخص عينه الذي يحس ، اي الذي يدرك أشياء معينه بواسطة الحواس ، لانني ارى الواقع ضوءا ، واسمع دويا ، واحس حرارة “.
إذا ، ما هي هذه النفس المفكرة ؟ وبعبارة اوضح من هوالانسان ؟لابد لنا من الرجوع قليلا إلى الوراء لنعرف الانسان ما هو وما هي أقسامه ؟ جرى العرف قبل ديكارت ان يقسم الإنسان إلى ثلاث ” الروح والنفس والجسد ” ، ان عالم الروح هوعالم الثوابت ( اي الشعور ) وعالم الجسد هو عالم الزوال (اي الحساسية ) وهذا اعتبرت رابطةالنفس بالجسد رابطة حميمة بحجة ان النفس تتاثر مباشرةً في ذا نفسها بأعمال الجسد ، وان الجسد ينفعل مباشرةفي ذاته بأهواء النفس، فيصبح ذا حياة بذاته ، وتصبح ذا ت شعور بذاتها . وتبقى المرتكزات الثابتة في العقل من عنديات الروح . ان جسد يعيش ، والنفس تشعر ، والروح تفكر ، ثم جاء ديكارت وغير الأوضاع القايمة قبله اي انه قسم الانسان اى نفس وجسد فقط يختلف كل الاختلاف عن فلاسفة الإغريق وغيرهم من الفلاسفة فلا يحذو حذوهم فبالنفس يحصل الفكر وهي خالدة ، وبالجسد يحصل الامتداد وهو فان ، إذا الفكر في شرع ديكارت واقع اصيل في النفس بمنحى من الشك مهما امتد الشك في شكه . وهذا يعني ان النفس بسيطة لا تتحول عن بساطتها ، وبساطتها تقوم على انها فكر لا امتداد له اي الأفكار لا يمت بصلة إلى ما هو صفات الجسم ، كالطول والامتداد والعمق ، ومن هنا عدم اعتراف ديكارت للنفس الخالصة ، إلا بميزتين أصيلتين هما : الإدراك والإرادة . ان النفس في نظر الاقدمين مندمجة بالجسد وفي نظر ديكارت متصله به ،وبين الاندماج والاتصال فرق مبين ، لان الاندماج في الجسديجعلها جسدا ، والاتصال به يبقيها نفسا.
-الله والوجود:
يتميز ديكارت كثيرا في أفكاره حول فكرة الكمال اللامتناهي ، وقد استرعت انتباهه اكثر من غيرها ، لانها اكمل وضوحا وتميزا ، هي البداهة في أسمى درجاتها ، شبيهة كل الشبه ببداهة ” أنا أفكر ، إذا أنا موجود” . وقد قال ديكارت في التاملات ، التامل الرابع ما ياتي :
” حين اعتبر نفسي شاكا ، اي حين اعتبرني شيئا ناقصا يعتمد عل سواه ، تعرض لذهني ، بقوةمن التمييز والوضوح ، فكرة عن موجود كامل ومستقل عن غيره ، اي فكرة الله . ووجود هذه الفكرة في نفسي او كوني أنا، صاحب هذه الفكرة – موجودا- يجعلني وحده استخلص الدليل على وجود الله ، وعلى ان وجودي مستند اليه تماما ،في جميع لحظات حياتي ، ولا اعتقد ان النفس البشرية تستطيع ان تعرف شيئا ببداهة ويقين اكثر مما تعرف وجود الله”.
وهكذا كان الجذب الاول نحو اليقين الاول وهو ( أنا أفكر ، إذا أنا موجود ) . والجذب الثاني نحو اليقين الثاني وهوالله . وبهذا اختلف ديكارت عن الفلاسفة السابقين كارسطوعلى الطلب الدليل من الكون لوجود الله ، فقاعدة انتقال الفكر عند الاقدمين لمعرفة الله هي أنا- العالم – ا نا – الله اي من الفكر الى الكون ومن الكون الى الله . اما ديكارت فدليله هو ” أنا -الله – العالم ” اي من الفكر الى الله ومن الله إلى العالم “……



