ميشلين البارد ترسم الأنا شعرًا
ابتسام غنيمه
“هَودي أنا” مْرايِه فِيا كلّ الصُّوَر
حزن وهَنا، عَتم وضِيا، شمس وقَمر (ا. غ.)
أصابتني عدوى الشّعر وأنا أقرأ ديوانَكِ فاستهللتُ بهذين البيتين لألِجَ عالَمًا موقَّعًا بحرفٍ رشيق وكلمات عفويّة.
“هَودي أنا”، ديوان باللّغة اللّبنانيّة المحكيّة، لغة القلب، ضمّنته الشّاعرة ميشلين البارد صوتَ عواطفها ومشاعرها. وجاء العنوان ليفتح شهيّة المتلقّي إلى القراءة ويُشبع فضوله لمعرفة ما تريد الكاتبة أن تكشفه عن نفسها. وقد يتوقّف البعضُ عند كلمة “أنا” فيجنح فكرُه إلى معاني الغرور والأنانيّة والنّرجسيّة، في حين أنّها تعني معرفة الإنسان ذاتَه، كونها مركز الشّعور والإدراك الحسّيّ والعقليّ. وهي، بحسب فرويد، شخصيّة المرء في أكثر حالاتها اعتدالًا بين غرائز الهُوَ وقِيَم الأنا العليا، وهذه هي الأنا النّاطقة في الأبيات.
الدّيوان مرآة تقف الشّاعرة أمامها، فتنعكس صورٌ شفّافة تجمعها بالحبيب والزّمن والغائبين والذّكريات والصّلاة. قصائد خطّتها بمداد الواقع وألم التّجربة، وعمّدتها بميرون الكلمة، وسكبتها في قوالب خفيفة تُبهج الآذان، ومكتنزة تبهر العقل حتّى الامتلاء.
فمن أين تأتي ميشلين بهذا الدّفق الغزير والغنيّ من الشّعر، فتعبّر بالقليل عن الكثير، وترسم أمامك، من خلال مقطوعة شعريّة، روائع اللّوحات؟

قال الياس أبو شبكة:
إجرح القلبَ واسقِ شعركَ منه فدمُ القلبِ خمرةُ الأقلامِ
وشدّت ميشلين على يده قائلة:
“كمشِة شِعر ولَّع معو سكوت البِكي/… قلّي الحبر، حطّي القلب فيّي اشبكي”.
فضمَّنَت قلمَها قلبَها، حيث الحبيبُ يُملي: “لّمّا حروفك تندهلي/ بكتب شجرة أسطورة”، والقلمُ يسرع مستجيبًا “حبري ركض يمضي الغزل طبعات”. فنجد أنّها تعيش حالةَ حبٍّ دائم وبحثٍ مستمرّ، لا عن الحبيب لأنّه واحد ثابت، مقيم فيها ومتمسّكة به: “من حُبَّك ما بَعرف فِلّ/ وغَيرك ما رح إستحلي”، إنّما عن الحنان، ولا سيّما الدّفء الذي أضفى رومنسيّةً على رومنسيّة الكتاب بانتشاره اللّطيف بين القصائد وتغلغله النّاعم في الصّفحات، وشكّل عنصر اتّحاد بينها وبين الحبيبٍ: “حيِّكني وعمِلني شال/ تدفا بعبّو ليليّي”. تارة يُدفئها: “كمشة دفا… جسمي ولع كلّو فِيا”، وتارةً تدفئه: “الحبّ اللّي بقلبي مْدَفّيك”، في تبادل مستمرّ لعاطفة لا تنطفئ، وقلب ينبض طيبة ومسامحة، ما يدفعها إلى التّساؤل: “ليش الوجع عم ينسكب تخمين؟”، فيندلع صراع بين العقل والقلب، وينتصر هذا الأخير، فتعاتبه قائلة: “بعتَب عا قلبي لْ ما سمع منّي/… لا كان يوم يحيد عن حبّو/ ولا كان يسمع جرح بيغنّي”.
والألم المرتبط بالحبيب هو الذي “ينحت خْيالها” حروفًا على الأسطر، فإذا بثالوث يكوّن “الأنا الميشلينيّة” نستشفّه من خلال توجّهها إلى الحبيب قائلة: “كُون السّطر… كُون الشّعر… كُون الوجع تا صيّرك حالي”.
وإذا كان معجم الألم يهيمن على الأبيات بفعل الحبّ (وجع، جرح، دمع، مقهور، الآخ، العنّة…)، فالحبيب ليس دائمًا المصدر، بل كلّ حبّ تواجه فيه الشّاعرة وجع الفراق والغياب، فتبدع في خَلق صورة تغيّر وظيفة عناصر الطّبيعة بسحر يتصاعد من وادي عبقر، مرتقيًا جبل البارناس… وهناك تتلقّفه آلهة الوحي، وتسكبه في حبر قلمٍ “يْبَكّي الشّمس عا فْراق أغلى حباب”. فنسمعها تنادي حبيبًا: “بحّة صرخة عشقانة/ مسافر صوتا خلف بحور”. وينهمر حبرُها شوقًا إلى أمّها: “شوق انسكب يصرخ معي إمّي”. وتستحضر والدها بـ “نسمة عطر… وضحكة سما… وكمشة جنى ما بعمرها بتموت”.

غير أنّها تتمرّد على وجع هذا الزّمن الملموس، وتثور مقتحمة عتمته وضبابه، مسترجعة صور زمن “من حُبّها بتحكي”، و”تضمّ الصّدى” لتعزف ألحان الحياة في قلبها. فنلاحظ وَعيَها لأهمّيّة الزّمن: “صار العمر عم يشلح وراقي/ وكفّ الأرض بي لملم فراقي”. تخشى “العمر الكذّاب” الذي بات يؤلمها لأنّه يسرق السّنوات، ويسير بالإنسان في فصول الحياة: فتنتفض الأنا المفعمة أملًا عليه، وتثور صارخة: “كِبّ الزّمن… زيح الوقت”، لتبقى امرأة ساجدة أمام مذبح الحياة، تضيء شمعة الإيمان والرّجاء، تنشد مزامير صلاة ترتفع منتصرة على كلّ الجراح، و”يولد طفل لَدروبنا صورة/ صورة رجا فيها الوجع بيموت/ … صرخة عدل، بلسم جرح، شعلة وفا/ بسمة أمل”.
“هَودي أنا”، هَودي ميشلين البارد التي إن سمعتَها مُلقِيةً قلتَ: “ما أهضما!”، وإن قرأتها متأمِّلًا قلتَ: “ما أبدعا!”.



