يوسف مارون… صَنَعَ أجنحَتَهُ من كلماتٍ ليسَتْ كالكلماتِ
د. جان توما
ماذا تقولُ اللغةُ في تحويلِ التاءِ المفرَدَةَ في “مرآة” إلى” ياء” في الجمع، مرايا؟، هي مِنَ “الإعلالِ” لتسهيلِ النطق ِأو تخفيفِ الكلمةِ. يعودُ أصلُ الكلمةِ إلى “مَرْأَيَة”، وتُعادُ لها الياءُ عندَ الجمعِ “مرايا”. يأتي عنوانُ الكتابِ” مرايا الذاكرة” بدءً بحرفِ الياءِ في اسمِ الغائبِ الحاضرِ الطالعِ من بئرِ الذاكرةِ “يوسف” ليخرجَ إلى صحراءِ تنسُّكِهِ اللغويِّ كما مع شفيعِهِ مارون الناسكِ الروحيِّ الذي توَّج َبهِ اسمَهُ.

يوسف مارون أخرجَتْهُ قافلةُ المعاجمِ في ترحالِهَا في بوادي اللغةِ وواحاتِها من البئرِ التي تمخّضَتْ فعمَّدَتْ بماءِ البحثِ وزيتِ التقميشِ ونورِ التبحّرِ ذاك اليوسفُ الذي شَغَلَتْهُ اللغة ُولم تبعدْهُ الدنيا عنها، فكان في صومعتِهِ باحثًا عالمًا موسوعيًّا ومترجمًا ومفتّشًا ومربيًّا وعارفًا في شؤونِ الأبجديّة وشجونِها، عابرًا إلى مرتجياتٍ نَحويَّةٍ خدمةً لصاحبةِ الجلالةِ اللغةِ العربيّةِ التي انصرفَ إليها واثقَ الخُطوةِ، مدرِكًا أنّها كجلولِ ضيعتِهِ وتلالِها ساحرةً ومبهرةً، إذْ حين التقطَ الحرفَ في مدرسةِ القريةِ في بقرقاشا التي تَعني البردَ القارسَ كان يتدفّأ بحطَبِ القراءةِ كما كان في مواسمِ الحصادِ قطّافَ تينٍ ولوزٍ وإجاصٍ وكرزٍ، فتلوّنَتِ اللغةُ عندَهُ، وما عَبَقَتْ، كما عند بعضِهم بالأبيضِ والأسودِ، بل كانت في عينيهِ وقلبِهِ ترفُلُ بأثوابٍ من حريرٍ وتتخايلُ كما شجرةُ الزيتونِ في الجلوِل، حيث يرتاحُ تحتَها الفرحونَ متكئينَ على جذعِهَا في غفوةٍ هانئةٍ، فيما مزمارُ الحياةِ يعزِفُ ليالي الودٍّ ويرسمُ تلالَ النّورِ.

طَفَرَ يوسفُ كالأيائلِ في الهضابِ فمضى إلى بشرّي وطرابلس وبعلبك وضهر العين- الكورة والجامعة اللبنانية بيروت، وفرنسا ودبي وأبو ظبي والشارقة، مَنْ جَرَّحَ يديهِ في ترابِ الأرضِ وفي الشيطنةِ ما بينَ العنّابِ والتوتِ البِريِّ، عَرَفَ كيف يجرحُ ورقَ العالمِ ويزيّنُهُ بأطواقِ الياسمينِ وانفجاراتِ الصبحِ الواعدِ.
يوسف مارون أو “إيكار” البطلٍ الأسطوريِّ اليونانيِّ ، صَنَعَ أجنحَتَهُ من كلماتٍ ليسَتْ كالكلماتِ، ولمّا حَلَّقَ لم يكتفِ بحدودِ الشمّسِ، فسقَطَ في خمائلِ اللغةِ، وأَيْنعَتْ أبجديتُهُ متألقةً ولم يَقُلْهَا كاملةً، فكأنَّهُ يضحكُ ويبكي لا حزنًا ولا فرحًا، كعاشقٍ،
ولكن ما خطَّ سطرًا في هواها… وما محا.

***
*ألقيت في الاحتفال التكريمي للراحل الأديب والبروفسور يوسف خليل مارون الذي دعت إليه عائلة يوسف مارون و الرابطة الثقافية في قاعة المؤتمرات – الرابطة الثقافية – طرابلس، السبت 18/ 10/ 2025 ، وزع خلاله کتاب ” يوسف خليل مارون ومرايا الذاكرة ” هدية.
تضمن برنامج الاحتفال: فيلم لمدة 3 دقائق، كلمة الافتتاح: أ. د. جورج مارون (مؤلف الكتاب)، أ. د. د. هاشم الأيوبي عميد كلية الآداب – جامعة الجنان، د . جنين الشعار مديرة كلية الآداب الفرع 3 – الجامعة اللبنانية، أ. د . أسعد السحمراني – جامعة الإمام الأوزاعي، أ. د. جورج سعادة – جامعة القديس يوسف (اليسوعية)، الأب الدكتور ميشال روحانا – المعهد الأنطوني – بعبدا ، الشاعر المحامي عطا كوسا – نقابة المحامين – الشمال، أ. د. جان توما رئيس قسم اللغة العربية – جامعة الجنان، الشاعر د. رياض عبيد – أسرة الملتقى الأدبي، أ. د. جان جبور مدير كلية الآداب سابقاً – الجامعة اللبنانية، أ . فيصل طالب مدير عام وزارة الثقافة سابقاً، الشاعر سعد الدين شلق أستاذ في ملاك التعليم الثانوي ، المربية لولا يوسف مارون – كلمة العائلة. قدمت الاحتفال الأستاذة الجامعية د. فرح الجمّ ، الأستاذة الجامعية د. نينا أيوب.



