إدوار ب. الزغبي: لا خطّة ولا محطّة
د. جان توما
تجدّد معرفتك بإدوار الزغبيّ ، بعد رحيله، (١٩٤٣-٢٠٢٤) فيما تقرأه حيّا في كتابه الشعريّ” لا خطّة ولا محطّة”، الصادر عن تريبوليس للنشر، طرابلس، 2002. هي رحلة بحّار في قاموس التعبير، زاده “سارية صفراء، مجداف، قاع البحر، المرجان، السفن” (ص7و8و9) ، كيف جاء إدوار الزغبي بالبحر إلى ريفيّته، فطاف بيدره لما حان موسم الحصاد؟ لعلّه يبحث عن هويّـته وانتمائه “إذ أتى بالمرجان/ وألواح السفن الغرقى/ وطفا بين الناس/ وناداهم: هذا دفترُ شعرْ” ( ص 9) ، لكنه يبحر من دون خريطة، يتوه في مودّة البدايات وعفوياتها لذا يسأل: “ما لك تنقضُّ على زيارتي/ وتشطبُ العنوان (ص43).
راحت العناوين لما طغى الشعر، وأبحرت سفن الصور عنده إلى أرصفة آمنة، بعدما كادت التيارات البحريّة تغلبه ويتوه في دوّارها. لذا يرى في الإبحار وشكل الطاحونة مجال ضياع، فدعوته واضحة: “دُوري/ ما أجمل أن أبقى في دوران(ص18)، ومن صفات الرفيق الصالح: “لو كان رفيقًا/ دار طويلًا مع دوّار” (ص27)، ويحمّله مواقفه وقلقه: “ماذا يمكنه أن يفعلَ/ هذا الدوّار؟ ماذا يختار؟(ص78)ـ فلا يجد مناصًا من أن يبوح بسرّه: “دعيني أدورُ وحيدًا/ أدورُ أدورُ أدورُ (ص108). يفرح إدوار الزغبي بالصور المالحة، لعلّ الملح يصون الذكرى الطيّبة ويحفظها من تآكل الذاكرة فيقول: “الرجلُ الواقفُ في السفينه/ يدير ظهره إلى المدينه/ يداهُ مجذافانْ/ عيناهُ نجمتانْ/ جبينه أوسع من بيدر(ص57). ما هذا المزيج عنده بين مفردات البحر ومفردات الريف؟ هنا سفينه ومجذافان وعينان، وهناك نجمتان وجبين شمس وبيدر. يعيد إدوار الزغبي صياغة العالم، ترتيب أموره، تشذيب أطرافه، ” وأبني محطّة/ لعلّي أراكْ/ وأرحلُ من دونِ خطّه/ لعلّي أصحّحُ عمري/ لعلّي أصحّحُ في دفتري بعض غلطهْ” (ص9و10).
لكنّ كلّ تصحيح يحتاج إلى شجاعة وقرار، لذا يقول: “الأفضل ألّا تبقى مرصوفًا في بيتك/ كالمدماك” (ص22)، إذ لا يكفي إبداء التذمّر، بل استنهاض الذات” إذ أناديك من وجعي/ أن تلمَّ شتاتي”(ص40)، فالسائد في العالم أن تبقى خنوعًا، إذ يعلو صوت الترهيب في العالم: ” يا ويلك أن تغضَبْ/ يا ويلك أن تكتبْ/ يا ويلك أن تمشي مرفوع الرأس(ص50)، فيدعو إدوار الزغبي إلى عدم الركون إلى اللاقرار/ عن اللاسلام: عن اللارجوع (ص 39)، إذ ” لا أحد منهم يكسرُ قلبي/ لا أحد منهم يأخذ منّي قلمي” (ص24). بهذا الصمود “تُسقط عنه القناعْ/ وتكشف كم هو يسلكُ دربَ الخداعْ/ ودرب الضلالْ(ص19)
يأتي قلق إدوار الزغبي من توتّره النقديّ لما يراه ويعيشه. هو يعرف أنّ المرء ليس بما لديه بل بما يحيط به، لذا عنت له العائلة والأصدقاء وأحلامهم وآمالهم:””حصانك الأبيضً يا حبيبتي/ يصهلً في الحديقة(ص65)، هو يحبّهم في صمته، يفرح بهم في سرّه: ” كأنّي أعانق صمتي/ على وجعٍ في ضلوعي/ على جرحِ خنجرْ/ كأنّي ألمُّ عن الأرضِ سرَّ صلاتي(ص70)، هم صلاته التي يتلوها في كلّ حين، فوجوه أولاده وأحفاده وزوجته وأحبته ترسم له خارطة الحياة، لذا هم حبيبته وقصيدته: ” ووقت تغيبين خلفَ المحطةِ/ أشعرُ أنّي لولاك صفرْ/ وأهتفُ/ لولاكِ ما أخضّر سهلٌ/ وما هلَّ ضوءٌ، وما فاضَ نهرْ/(ص13)
أمضى إدوار الزغبي رحلة عمره يبحث عن الوطن الذي يحلم به، له ولأبنائه. كان يشعر بأنّ غربته واقعيّة على الرّغم من الوجوه الأليفة التي أحبّها، وبحره وريفه وقد عشقهما، إلّا أنّ توصيفه لغربته بيّنة: ” لعلّ الزّمان يصير زمانيّ/ لعل المكان يصير معي(ص100)، وهذا لن يتمّ إلّا بعودة طيور أيلول التي جمعت حقائبها ورحلت بعيدًا. دونها لن تقوم قيامة الوطن، فسواعده مضت، وأدمغته هاجرت، لذا جاءت دعوته الوطنيّة الصادقة: “عودوا من منفاكم/ عودوا من حيث هربتم/ كي نبني وطنا”(ص129)، مؤمنًأ بأنّ لبنان ومدنه عصيّون على الموت إذ:” وكلنا في لحظة السكوتْ/ نقولُ في سرّنا:/ بيروت لن تموت (ص53)
حين يعود إدوار الزغبي “يومًا يسأل من أحرقَهُ/ يومًا يبحثُ عن مفقودِ/ يومًا يهربُ من حالِهِ”(ص7)، وسيقرأ ” في وجهه كلّ حزن الرجال/ متى سألوهم: متى الغدُ؟ أيُّ غدٍ؟” (ص 14)، لتبقى وصيته صادحة في هناءة روح واستكانة نفس، بعد أن يتوّج الواجبات السبعة بثامنة تقول:” وأخيرا/ واجبك الثامن أن تنسى/ ما كنت تقول.(ص16)، ولكن من يملك القدرة على النسيان؟



