سجلوا عندكم

حين تتحول الأمثال إلى تاريخ حي… قراءة في أطروحة الدكتور محمد توفيق أبو علي: “صورة العادات والتقاليد والقيم الجاهلية في كتب الأمثال العربية”

Views: 312

فاروق غانم خداج*

تمر مئات الرسائل الجامعية كل عام في الجامعات العربية، فتؤدي دورها العلمي ثم تستقر على رفوف المكتبات. غير أن بعض الأطروحات تمتلك قدرة نادرة على تجاوز زمنها الأكاديمي لتتحول إلى مراجع حية تستمر في إثارة الأسئلة بعد عقود من صدورها. ومن هذا النوع أطروحة الأستاذ الدكتور محمد توفيق أبو علي، الموسومة بعنوان صورة العادات والتقاليد والقيم الجاهلية في كتب الأمثال العربية، التي صدرت في طبعتها الأولى سنة 1999 عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بعد أن نوقشت في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية بإشراف العميد الدكتور ساسين عساف، وعضوية الدكاترة خليل أحمد خليل، وعصام نور الدين، ويوسف فرحات، وهاشم الأيوبي، ونالت أعلى علامة سُجلت في تاريخ الكلية آنذاك.

غير أن قيمة هذه الأطروحة لا تكمن في علامتها الاستثنائية وحدها، بل في السؤال الكبير الذي انطلقت منه: هل يمكن إعادة بناء صورة المجتمع الجاهلي من خلال الأمثال العربية؟ وهل تختزن تلك العبارات القصيرة ما يكفي من الشواهد لفهم حياة العرب قبل الإسلام وعلاقاتهم وقيمهم ونظرتهم إلى العالم؟

منذ الصفحات الأولى، يدرك القارئ أنه أمام مشروع بحثي مختلف. فالدكتور محمد توفيق أبو علي لا يتعامل مع الأمثال بوصفها أقوالا مأثورة أو حكما لغوية متداولة، بل بوصفها وثائق ثقافية واجتماعية تكشف عن بنية المجتمع الذي أنتجها. ولذلك لم يكتف بجمع الأمثال وتصنيفها، بل عاد إلى قصصها وأسباب ورودها وسياقات تداولها، محاولا استنطاق ما تخفيه من معان تتجاوز ظاهر الكلمات.

 

ولعل أجمل ما في هذا العمل أنه يعيد الاعتبار إلى مادة تراثية طالما وُضعت في الهامش. فالمثل، في نظر كثيرين، مجرد عبارة موجزة تتردد على الألسن، بينما يكشف هذا الكتاب أنه خلاصة تجربة إنسانية كاملة اختبرت الزمن حتى استحقت البقاء. فحين يقول العربي القديم: “سبق السيف العذل”، لا يطلق حكمة مجردة، بل يختصر موقفا إنسانيا معقدا يتعلق بالندم والقرار والمسؤولية. وحين يتداول الناس مثل “جزاء سنمار”، فهم لا يكررون عبارة محفوظة، بل يستحضرون قصة الغدر بمن أحسن وأبدع.

من الحكاية الصغيرة إلى صورة المجتمع

تكمن فرادة الأطروحة في أنها تتعقب رحلة المثل من حادثة فردية محددة إلى حكمة عامة تتجاوز زمنها الأول. فخلف كل مثل قصة، وخلف كل قصة موقف اجتماعي، وخلف كل موقف منظومة قيم تكشف طريقة تفكير الناس وعلاقاتهم ببعضهم البعض.

ومن خلال هذا المنهج، ينجح الباحث في رسم صورة واسعة للمجتمع الجاهلي. تظهر قيم الكرم والشجاعة والوفاء وحماية الجار وإغاثة الملهوف، كما تظهر في المقابل مظاهر الثأر والعصبية القبلية والخوف من العار والصراع على المكانة. وهكذا لا يقدم المجتمع الجاهلي بصورة مثالية ولا بصورة سوداء، بل يقدمه في تعقيده الإنساني الحقيقي، بما فيه من نبل وقسوة، وحكمة واندفاع، وسخاء وأنانية.

ويزداد العمل أهمية لأنه يعتمد منهجا علميا دقيقا يجمع بين التحليل اللغوي والقراءة الاجتماعية والتتبع التاريخي. فالباحث لا يكتفي بشرح ألفاظ المثل أو تفسير معناه المباشر، بل يحاول فهم الظروف التي ولد فيها، والبيئة التي سمحت له بالانتشار، والدلالات التي اكتسبها عبر الزمن. وبذلك تتحول الأمثال إلى مادة قادرة على إضاءة جوانب واسعة من الحياة العربية القديمة، ربما أكثر مما تفعله بعض المصادر التاريخية التقليدية.

ولعل ما يلفت الانتباه أيضا أن المؤلف كان واعيا منذ البداية لفرادة مشروعه. ففي تقديم العمل وردت شهادة علمية تصفه بأنه “كتاب فريد في بابه”، وأن كثيرا من مباحثه “ما زال بكرا، لم يبصر النور إلا في نطاق العمل”. ولم يكن هذا الوصف من باب المجاملة، بل انعكاسا لطبيعة المشروع نفسه، الذي قام على استقراء الأمثال وقصصها وأشعارها للكشف عن أحوال العادات والتقاليد والقيم الجاهلية، في محاولة تجمع بين الجرأة العلمية والدقة المنهجية.

 

وبعد أكثر من ربع قرن على صدور الكتاب، لا يزال هذا الجهد يحتفظ بحيويته. فالأسئلة التي طرحها لم تفقد راهنيتها، والمنهج الذي اعتمده ما زال قادرا على إلهام الباحثين في الدراسات الأدبية والثقافية والأنثروبولوجية. وربما تكمن قوة الأطروحة الحقيقية في أنها لم تتعامل مع التراث بوصفه مادة جامدة للحفظ والتكرار، بل بوصفه حياة كاملة يمكن إعادة اكتشافها كلما أحسنا طرح الأسئلة.

وأنا أقرأ هذه الأطروحة، تذكرت الدروس الأولى التي تلقيتها في الأدب الجاهلي، حين كان الدكتور محمد توفيق أبو علي يدعونا إلى البحث عما وراء النص لا الاكتفاء بحفظه. لذلك لم أقرأ هذا الكتاب بوصفه عملا أكاديميا فحسب، بل بوصفه امتدادا لذلك السؤال القديم: كيف يمكن لكلمة قصيرة أن تحمل تاريخ أمة كاملة؟

إن قراءة صورة العادات والتقاليد والقيم الجاهلية في كتب الأمثال العربية ليست عودة إلى الماضي فحسب، بل هي أيضا تأمل في الإنسان نفسه. فالناس يتغيرون، والدول تتبدل، واللغات تتطور، لكن التجارب الإنسانية الكبرى تبقى حاضرة بأشكال مختلفة. لهذا تبدو الأمثال التي درسها الدكتور محمد توفيق أبو علي أكثر من بقايا لغوية من زمن بعيد؛ إنها أصوات بشر عاشوا وأحبوا وخافوا وحلموا وتركوا لنا خلاصة تجاربهم في كلمات قليلة. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، لا بوصفه أطروحة دكتوراه نالت أعلى تقدير أكاديمي فحسب، بل بوصفه عملا علميا أعاد إلى الأمثال العربية مكانتها بوصفها أحد المفاتيح الأساسية لفهم المجتمع العربي القديم وقراءة تاريخه من الداخل.

***

*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *