سجلوا عندكم

الأب بولس وهبه راثيًا اسكندر حبش: سنظل معك في حلاوة الذكريات والحضور المتوهِّج الذي تركتَه فينا ومن خلال ما كتبتَ ونشرت

Views: 573

عظة الأب بولس وهبه خلال الاحتفال  بالصلاة لراحة نفس الشاعر والصحافي والأديب اسكندر حبش (1963-2025)  عند الثالثة والنصف بعد ظهر السبت، 1 تشرين الثاني،في كنيسة مار ميخائيل المزرعة.

 

 

أقف أمامكم، وأمام أخي إسكندر، الذي أوصاني مراراً وأوصى أفراد عائلته بأن أصلي من أجل راحة نفسه بعد مغادرته لهذه الدنيا، وهذا شرف عظيم لي أمام عظيمٍ من بلادي، فكيف إذا كان صديقاً حبيباً مثله.

نقول في إحدى صلواتنا “بالروح القدس تفيض سواقي النعمة ومجاريها”. نحن اليوم في حضرة إنسانٍ فاضت فيه ومنه سواقي نِعَم الروح القدس، غير المحصور في مكان وزمان ودين وثقافة، بل هو “حاضر في كل مكان ومالئ للكل”. فالله، بروحه القدوس، يفعل ويسكن ويفيض في كل ومضة فكر نيِّر ويشع في كل خير وإبداع، في كل فن وأدب وجمال. 

نحن في مهابة الحضور أمام قامة فكريّة ازدوج فيها الإشعاع الفكري والدفئ الإنساني ورقي الفكر المنسكِبِ جمالِ عبارةٍ تُعبِّر عن الجمال الذي طبع شخص إسكندر. حلاوة إنتاجه الفكري كانت مُتوأَمة ومتجانسة مع حلاوة نفسه التي انعجنت بالطيبة مهما قست عليها الظروف، فيما كان يأبى مغادرة هذا الحصن الدافئ الذي سكن فيه بهناء رَضِي وبراءة طفولية. تموّجت الحياة معه ومَرجَحتهُ في طلعاتها ونزلاتها، فما انثنى ولا تغيَّر، بل ازداد تَشبُّثاً بالخير الذي آمن به وعاشه حتى الرمق الأخير. 

حفر إسكندر لنفسه حيِّزاً فكرياً وثقافياً من خلال عمله الصحافي في جريدة السفير وغزارة كتاباته وترجماته التي أبدع فيها لا كمترجم للنصوص فقط بل كَساكبٍ فيها روحاً إبداعياً وفرادةً حلوة. في كل هذا ظل كما هو، إسكندر حبش، وكأن اسمه صار الوسام الأكبر المُعَرِّفاً عنه. جميل أن يكون إنتاج المفكر الأدبي، وهذا ينسحب على كل مبدع، عاكِساً لوهج الحلاوة التي في فكره وقلبه ووجدانه، فتسطع من خلاله ليس إنتاجاً مَعرِفيّاً فقط بل إضافةً تقرّب القارئ من حلاوة شخص الكاتب المُتآلف مع ما يصدر عنه.

عاش إسكندر كل هذا في هدوء وسلام صار يترسّخ فيه مع تقادُم الأيام وصار يصفو، فاستغل المرض ليصفو أكثر ولكي يتجلّى، معانقاً المسيح في حميمية جعلته يقول لي قبل أيام من مرضه “أنا لست خائفاً من الموت”، فتَقبّل المناولة الأخيرة بحرارة المؤمن ودموعه. تقبّل مرضه لا باستسلام الخانع أو المهزوم بل برضى الصفاء، فظل يحنو ويتقبل الحنو من شريكة عمره شيرين. في حياته كان كريم النفس ومحباً للناس، صافِحاً عمّن أساؤوا إليه في دفئ لسان لا يقوى عليه إلا الراسخون في الطيبة، حالِماً أبداً بما كان يرنو إليه. وفي الأخير من أيامه ظل يتشامخ كِبَرا،ً ولم يدع المرض ينال من غنى ما اختزن ولا من السلام الذي تأصّلَ فيه كالوشم في القلب. 

هنيئاً له على هذه الرحلة الحياتية التي أتاحت له الإبحار في عوالم الفكر والصحافة والتأليف والترجمة والإبداع والتّمَيُّز. غادرنا قبل أيام من ذكرى ميلاده الأرضي، لكي يكتشف الولادة الجديدة في حضن المسيح وكَنف القديسين الذين أحب أن يزور بيوتهم الأرضية في لبنان، فإذا به يجد نفسه يجالسهم في مساكنهم السماوية. 

يا أخي إسكندر، تُطلُّ علينا اليوم من عليائك وأنت تردد قول الرسول بولس “لقد جاهدتُ الجهادَ الحسن وأكملتُ السعي وحفظتُ الإيمان”، الذي يطلب منا أيضاً أن لا “نحزن كسائر الناس الذين لا رجاء لهم”. سنظل معك في شركة الصلاة وحلاوة الذكريات والحضور المتوهِّج الذي تركتَه فينا ومن خلال ما كتبتَ ونشرت. عزاؤنا هو شخصك بالذات، الذي سيظل عابقاً فَوَّاحاً، أنت الذي تهنأ الآن في حضن المخلِّص، حيث لا وجع ولا بكاء ولا تنهُّد، بل حياةٌ لا تفنى، آمين.

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *