موسى زغيب قلعة الزّجل اللّبنانيّ
ابتسام غنيمه
تنساب “الأوف” حينًا رقراقةً مع خرير النّهر، وحينًا تنبعث قويّة صلبةً، صخرةً جبليّة، فتنقلنا من صخب الحياة وضجّة العصرنة إلى صفاء العيش الأوّل.
عام 1971 انطلقت القلعة مدًّا جبّارًا للأوف الخليليّة (نسبة إلى الشّاعر خليل روكز)، واستمرّت قلعةً لأربعين عامًا، رئيسُها واحد وأعضاؤها أصوات صدّاحة في لبنان وعالم الاغتراب. وما تزال، مع انتقال رئاستها إرثًا دمويًّا يحمل في شرايينه جذور الزّجل المتأصّلة في أعاليك يا كسروان كما في واديك وجنوبك وشمالك وبقاعك يا لبنان.
عندما أطلق الشّاعر موسى زغيب تسمية جوقة القلعة على فرقته بعد حفلة القلعة في بيت مري عام 1971، وكانت تُسمّى قبل ذلك جوقة خليل روكز، دليل وفاء ربّما أصبحنا بحاجة للرّجوع إلى معجم كي نفهم معناه، كان يعلم أنّه يؤسّس قلعة للزّجل اللّبنانيّ. وقد ضمّت أسماء كثيرة أمثال: إدوار حرب، وبطرس ديب، وأسعد سعيد، وعادل خدّاج، وسميح خليل، وسواهم… وقد كان لهذه الجوقة الفضل في إبراز عدد كبير من الشّعراء، سيّما وأنّ رئيسها كان يعنى بكلّ مَن يرى فيه ملامح زجليّ أصيل، فيعمل معه على صقل موهبته وإنمائها، ويساعده كي يبرع ويكون من المنافسين البارزين، حتّى ولو صحّ فيه المثل: “ربّ تلميذ فاقَ معلِّمَه”. فلم يكن يومًا أنانيًّا في حبّه الزّجل وعمله الدّؤوب على العناية به وإحيائه. ومع رئيس كهذا، كانت “القلعة”.

قلعة صنعَتها جودة اختيار موسى للأعضاء، وشفافية تعامله معهم، والمحبّة: “وِبعصر القتل وجنون القذايف/ إلي عندك طلب واحد يا ربّي/ رجِّعني موَيّه ببحر طايف/ وبَخّرني مع الغيمات غيمه/ وشتّيني على العالم محبّه”، والتّواضع، حِلية المجد، فيوصي الشّعراء قائلًا: “لا تسكروا من زقفة الأنصار/ برج النّجاح السّكر بِيهدّوا”، والغزارة في الإنتاج مع سلاسة التّعبير: “وكونوا بدفق الشّعر متل النّهر/ الما بيكسف العطشان بالمرّة”. وأجمل وصايا هذه القلعة الزّجليّة الكلمة البنّاءة: “وعطّر كلامك بالحبق والغار/ ومنفذ لحكي النّاس ما تخلّي”، “وإبنك لحتّىا تْرَبحو وصيّه/ لا ينشغل بأمور ما بتعنيه/ ولا يروح يحكي عن عيوب النّاس/ من قبل ما يشوف العيوب الفيه”. ويقول أيضًا في هذا المجال: “وعيشوا سويّه بالفرح والقهر/ وشوفوا بغابة حور مخضرّة/ الشّجره بتربى حدّ إختا دهر/ وما بتحكي بحقّها مرّه”.
وموسى زغيب الذي نادى بالقِيم، غنّى الجمال والحبّ في شعره: “عم يسألوني قال ليش بحبّها؟/ كرزِه شي أنّو عم يلوّح حَبّها/ ولِم صبّها الله كِتر ما حَبّها/ كسّر القالب من بعد ما صبّها”. وتميّز بطرافته وسرعة بديهته: قال يومًا وقد كان في أكرا مع الشّاعر خليل روكز، ممتعضًا من البرغش الذي كان يتلذّذ بدمه: “برغش أكرا جَنّني/ عَ الدم لْ سحبو منّي/ بكره بتخلق عندو فْواج/ بْدال ما توزوز بتغنّي”.
حمل لبنان وحلّق على وقع دفّه في مختلف أنحاء العالم، وعكس تراثنا جمالًا يزهو على الجمال.

موسى زغيب نظم فأبدع، وغنّى فأغنى، فكرّمته القلوب. وها هو على قاب قوسين من حفل يتكرّم بتكريمه. تكريم الزّجل الخام، الأصيل، الذي بقي متوهّجًا رغم كثرة السّوس الذي ينخر فيه… إنّه صوت لبنان المنتشر بمدّة الأوف وسحبة الميجانا، وعفويّة الحياة، وطيبة الإنسان.
يا أيّها الزّجل المنبعث من حنايا لبنان! يا شعر الفطرة والموهبة والنّغمة! عمِّد زجّاليكَ بروح المحبّة، وانفخ فيهم من روح الأسلاف، شعراء الزّمن الجميل، التّواضع والوئام والوفاق!
يا أيّها الزّجل، تراث لبنان، احفظ لهذا التّراث النّقاء من زغل الأحقاد والخلافات، ولتبقَ حضارة نفخر بها، فنردّد مع الكبير سعيد عقل: “سوف نبقى يشاء أم لا يشاء الغير” حصرمةً في عيون بلاد ما عرفت الحضارة يومًا.



