خرابة اسمها “ماسبيرو”
د. إسماعيل بهاء الدين سليمان
عشت بالأمس تجربة من أصعب تجارب حياتي اليومية، وأشدّها قسوة على نفسي.
فبالنسبة لي، ولكثيرين مثلي، يمثل “ماسبيرو” أو “المبنى” كما نطلق عليه نحن الذين عاشوا بين جدرانه، أو مبنى الإذاعة والتلفزيون كما يعرفه الناس جميعًا، مكانًا بالغ الأهمية، احتضن بين جدرانه زمانًا تفوق أهميتُه مكانةَ المكان.
في ماسبيرو، في إبريل عام 1967، عرفت الطريق إلى ستديوهات التلفزيون، وظهرتُ على شاشة التلفزيون لأول مرة في حياتي، متسابقًا في فريق مدرسة المنيا الإعدادية، الذي يمثل محافظة المنيا في مسابقة “الكاس لمين”، وهو البرنامج الذي كان يشرف عليه الكاتب الكبير عبد التواب يوسف، ويخرجه المخرج أحمد الفيومي، على ما أتذكر.
في ماسبيرو، عام 1974، بدأت أولى خطواتي العملية. طالب في العام الثاني من دراسته بالمعهد العالي للسينما، يعمل مساعدًا للمخرج أحمد خضر، في برنامج قصة قصيرة.
في ماسبيرو، عام 1977، قادني الصديق العزيز المخرج والإعلامي شفيع شلبي إلى ستديوهات الإذاعة لأول مرة، حيث بدأت مسيرة طويلة من العمل الإذاعي، دامت حتى عام 1993.

ومن ستديوهات إذاعة الشرق الأوسط انطلق قطار العمر في رحلة مهنية طويلة، مرّ خلالها بكثير من المحطات المهمة، فتوقف عند بعضها أعوامًا، ولم يبق على أرصفة البعض الآخر أكثر من بضعة أشهر. انطلق القطار في البداية إلى إذاعة الشباب، أهم وأبرز وأحَب محطات قطار العمر، والتي اختار العقلُ والقلبُ أن يتخذ منها وطنًا ومستقرًا، وليس مجرد محطة توقُّف مؤقت، وإن طال هذا التوقُّف.
كانت تلك “قصة الأمس”. أما قصة اليوم فمختلفة تمامًا.
صباح يوم الخميس الماضي، تَواصل معي من خلال الواتس، الأستاذ محمود الببلاوي، مُعِد برنامج “ثقافة وإبداع” الذي يذاع على الفضائية المصرية، وأبلغني بأنه يود استضافتي في البرنامج يوم الأحد 16 نوفمبر الساعة السادسة مساء، ثم، وباحترافية عالية، عاد إلى التواصل معي، وأرسل لي قائمة كاملة بالأسئلة التي أعدها كي تطرحها عليّ المذيعة التي سوف تقدم الحلقة، وهي قائمة أشهد له أنها شاملة جامعة مانعة، لو أحسنَت المذيعة طرحها، سوف تبدو مذيعة رفيعة المستوى، ثقافيًا ومهنيًا. وقد اعتقدتُ في البداية أن اللقاء سوف يكون مذاعًا على الهواء مباشرة، لكنني علمت، بعد التواصل مع الأستاذ مصطفى يحي مخرج البرنامج أن اللقاء سوف يكون مسجلًا ليذاع لاحقًا.
قبلتُ الدعوة، رغم أنني لا أحب الارتباط ببرنامج مسجل، حيث لا ضمان لاحترام المواعيد، عكس البرامج التي تذاع على الهواء مباشرة، حيث لا يمكن التساهل ولا التهاون في تنفيذها في الوقت المحدد. ولأنني حريص على التواجد قبل السادسة في موقع التسجيل، ستديو 3 في ماسبيرو، خرجت من بيتي مبكرًا، ورغم زحمة الطريق، وصعوبة الحصول على مكان لركن السيارة في ميدان عبد المنعم رياض، ثم السير مسافة طويلة من الميدان إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون، وصلتُ إلى المبنى قبل السادسة بعشر دقائق، لتبدأ رحلة من الصدمات والإحباطات، والحسرة على ما فات.
أمام موظف الأمن في مدخل رقم 4، كانت الصدمة الأولى، فقد قضيت أكثر من عشر دقائق منتظرًا، والموظف يبحث ببطء وتكاسل في دفاتره عن طلب التصريح لي بدخول المبنى، قبل أن يبلغني أنه لا يوجد تصريح باسمي. وهنا تذكرت أن الزميلة الإذاعية نجلاء مرسي كانت قد استخرجت لي تصريح دخول لزيارة ستديوهات إذاعة الشباب والرياضة منتهزًا فرصة وجودي في المبنى، فأبلغتُه بذلك، وبالفعل وجد هذا التصريح، ودخلت به إلى المبنى، لأول مرة منذ سنوات طويلة جدًا.

بسبب هذه التعقيدات، وصلت إلى الستوديو، أو بالأصح إلى الاستراحة التابعة له، في السادسة وخمس دقائق، أي بعد ربع ساعة من دخولي المبنى.
وفي تلك الاستراحة، التي أرفقت صورها بهذا البوست، كانت الصدمات الثانية والثالثة والرابعة…
استراحة أقل ما يقال عنها أنها لا تليق بتلفزيون مصري رسمي ولا بضيوفه: مخلفات أكواب مليئة بأعقاب السجائر رغم أن التدخين ممنوع في الستوديوهات؛ ومناديل ورقية مستعملة ومتروكة على الطاولة التي تتوسط الغرفة؛ كل تفاصيل المكان متهالكة متقادمة لم تعرف طعم الصيانة والتحسين منذ سنوات طويلة ولم تذق التنظيف منذ فترة ليست بالقصيرة؛ السقف، أو ما بقي منه بسبب تساقط أجزاء منه، يوحي بأنه سينهار قريبًا على رؤوس الجالسين؛ فضلًا عن الإنارة الضعيفة التي تعتمد على لمبات نيون توقف العالم عن استخدامها منذ سنين.
كان يجلس في الاستراحة شخص يتسم بالهدوء والطيبة، علمتُ منه أنه ضيف في البرنامج نفسه ينتظر موعده الذي حُدِّد في الخامسة، وهو موجود منذ الرابعة، وأنه قادم من المحلة، ولا بد أن يعود إليها الليلة، لأنه لا يستطيع المبيت في القاهرة.
قررت فورًا أنني لن أنتظر مثله، بل سأنتظر نصف ساعة فقط، ثم أنصرف.
خلال تلك الفترة، لم يخرج أحد إلى الاستراحة ليرحب بالضيوف أو ليعتذر لهم على طول فترة انتظارهم، أو ليستكشف ما إذا كان الضيوف المنتظَرون قد وصلوا أم لا، ناهيك عن تقديم مشروب أو جرعة ماء لهم. وفي السابعة إلا الثلث، دخل إلى الاستراحة شخصٌ لم يعرِّف بنفسه، واتجه إلى الضيف المحلاوي مباشرة قائلًا بالنص:
– ياللا يا ريس، ورايا.
“ياللا يا ريس، ورايا”، هكذا، بلهجة سوقية، ودون أدنى احترام للضيف. ثم غادر الاستراحة والضيف المهذب يمشي خلفه، دون تعليق، أو اعتراض…
وكما لو أنه لم يرني، أو لم يمثل وجودي في الاستراحة له شيئًا، لم يكلِّف نفسه مشقّة السؤال عن هويتي، وسبب وجودي في هذه الاستراحة!

ولأنني لا أدعي أنني قادر على أن أكون مهذبًا في مثل هذه المواقف، ولأنني لم أجد أمامي مِن المسؤولين عن هذا الموقف مَن أمارس عليه ما يلزم من قلة التهذيب، قررت أن أغادر هذا المكان فورًا، احتجاجًا على هذا المستوى المتدني من اللياقة المهنية واحترامًا لشخصي ولتاريخي المميز والمعروف في مجالات الإذاعة والتلفزيون والكتابة الإبداعية والترجمة والتعليم الأكاديمي…
تاريخ يمتد لأكثر من اثنين وخمسين عامًا…
تاريخ لا يمكن أن أرديه قتيلًا تحت أقدام هذا الكم من الإهمال والجهل وعدم المبالاة وعدم احترام المقامات، وهي أنماط سلوك يبدو أنها قد أصبحت متفشية في أرجاء هذه الخرابة…
خرابة كانت يومًا صرحًا بُني بأفكار وسواعد أجيال من المبدعين الجادين من الكبار والشباب الذين كانوا يتحلّون بأجمل ما تفرضه أخلاقيات وسلوكيات العمل الإعلامي، فكانت نبعًا من عطاء أساتذتنا وواحة لأحلام جيلنا، من إعلاميين وأدباء وفنانين، كما كانت بالنسبة لأولئك وهؤلاء ساحة عمل واجتهاد من أجل تحقيق تلك الأحلام وفي مقدمتها بناء الإنسان المصري.
خاتمة: حتى كتابة هذا النص، لم يتواصل معي هاتفيًا أيٌ من فريق العمل في البرنامج ليسأل لماذا لم أصل بعد، أو لماذا لم آت إلى الموعد. والأكثر مثارًا للسخرية، علمت من صديق مشترك، أن العاملين في الستوديو أبلغوا الأستاذ محمود الببلاوي مُعدّ البرنامج، أنني لم أحضر من الأساس.




