وليد نجم… جنون الشّعر
ابتسام غنيمه
كَمشتُهُ… كَمشَني. شدّني إليه… عانَقَت عينايَ سوادَ بياضِه… أسرني بين ذراعَيه، وقبَّلَ الحرفَ في خاطري… فانتشَيتُ.
إنّه ديوان “كمشات شعر” للشّاعر وليد نجم، الذي فتحَ كفَّيه للحياة مُلتقطًا الكلمات، لينثرَها بأصابعه على الورق؛ فجاء ديوانُه ناطقًا لغةً موقَّعَةً على نغمةِ ناي منبعثة من أصالة مغارةٍ تراثيّة… قصائد تنبثق من ساحةِ ضيعةٍ، من طفلٍ هربَ من الزّمان ليحيا في المكان، من مغامرة عاطفيّة ورذالة صبيانيّة، من صخر ينطق وقلبٍ ينبض، من الحبّ، من الأمس واليوم إلى “البُكرا”…
استهلّ وليد ديوانه بالزّمن مُدخِلًا إلى عالم تكثر فيه القصص والحكايات والعواطف والعفويّة، تتهادى على إيقاع “مارد شِعر مسؤول/ عَلْ جَرس عَلْ أوزان”.

وقفة تأمّليّة فلسفيّة
هذا المارد أقلقه الزّمن منذ فتوّته، فإذا برأس السّنة لا يشكّل عيدًا بالنّسبة إليه، بل وقفة تأمّليّة فلسفيّة في الحياة، وفي العمر الذي هو “طيف وعم بيهرب”. ذلك أنّ الإنسان، في كلّ سنة جديدة ، يودّع، إلى لا عودة، عامًا من عمره: “يا ليلة عيد أيّا عيد قرّب/ تَيِسحب عمر من دفتر حسابي؟”. ورغم غدر الحياة ومرور الماضي، وجَهل المستقبل، وتحطّم الأحلام في معاثر الطّرقات، تبدو نظرتُه إلى الحياة مطَعَّمة بنكهةَ الأمل في قوله: “صار ال هلّأ/ مُش هَلَّأ…/ مبارح، بُكرا/ وَهم الفِكرا/ صارو رجال/ الكانو ولاد/ بعدو الحلم/ حلم معلّق/ ناطر هَلّأ”؛ فإذا به يواجهنا بحقيقة العمر الهارب أشبه بباب “مخلوع… عم خلِّع بواب”. ويتوقّف عند مقارنة فلسفيّة توقظ أفلاطون من غفوته، عندما يسأل “الدّني” عن عمرها سؤال العارف، كونها ما تزال شابّة بسبب تجدّدها الدّائم، في حين أنّ الزّمن “ختيار”. والعلاقة وثيقة بين “الدّني والزّمن”، غير أنّ مروره عليها يختلف عن مروره على الإنسان…
واللّافت أنّ وسواس الزّمن لم يفارقه حتّى في حبّه وعواطفه، وفي طلب ملذّات تخضع بدورها لمرور السّنوات، فيقول:
“قطّف عنب إعصر خمر وسْكار/ بكرا الكرم بتهرّ عنباتو
نتّف ورق عيش الهوى وسْهار/ بكرى الغصن بتموت ورقاتو
إسمع صرير الرّوح بالأوتار/ بكرى الهوى بتروح نهداتو”.
غزليّات على نَول الرّذالة
ويذهب إلى المرأة ليغزل غزليّاته على نَول الرّذالة والشّيطنة، فيثير عواطفه الجسد واللّباس: “وقفتِ بهالشورت قبالي/ تَ بحري هاج”، ويشتهي “حبّة كرز فوق النهد حمرا”، يصرّ على تذوّقها متى ذهب المراقبون الواشون: “كرزاتك بدّي دوقا/ يفلّ النّاطور”. إنّها المرأة التي “بتولّع الجمرات” في النّفس والجسد؛ فتشغل الجمرة والنّار ومعجمهما اللّاهب مواضع كثيرة من الدّيوان ، مع ما تحملان من رموز الشّهوة والتّطهير والتّجدّد.
وهكذا نجده حينًا دون جوان على مسرح المغامرات العاطفيّة، يعرف المرأة ويفهمها “بتكذبي عَ مين”، وحينًا آخر هو قيس السّاجد في معبد حبّ “ليلاه”، زوجته التي غنّى لها أجمل القصائد النّابضة حبًّا ووفاء وغزلًا وصِدقًا “بحبِّك أنا”.
والحبّ عنده ليس امرأة فحسب: إنّه بحر ووادٍ وجبل. إنّه عصفور يزقزق، ونبع يوشوش، وتراب يعبق… إنّه لبنان بكلّ جمالاته الطّبيعيّة وشجره وأرزه، الذي يؤجّج فيه حماسة الأبطال متى ألمَّ ظلمٌ بالأرض والوطن: “لمّا الأرزه بتنادي/ ما رح نوقف عَحيادي”، لأنّ حبّه الكبير لبنان “سحر الوجود السّرمدي”، فيخاطب ضمير كلّ مواطن صارخًا: “شو قيمة ناس عم تخسر وطنها”.

“هون الدّني كمشة شعر”
ومن لبنان وأرزه يحطّ الرّحال في شبطين، ضيعته التي يسكر من نسمة هواها، ملعب صباه، ومرتع ذكرياته وطفولته، ومنبع وحيه: “هون الدّني كمشة شعر… هون الطّفوله معشعشه”.
ابن شبطين يخرج عن المألوف إلى عالم من الصّور المبتكرة، فـ “البحص ساكت والصّبح فكّر يفيق” إذ لا وجود لإنسان في هذا الفجر الهادئ، و”أيلول دمَّع من دمعتو بَل ريق”، فما أجمل مطر أيلول الذي يروي الأرض بعد حرّ الصّيف! إنّه يرسم بالكلمات، فتأتي لوحة متناسقة النّغمة واللّون والحرف… ويسرد القصص بالشّعر فيجمع كلّ العناصر: الزّمان والمكان والشّخصيّات والحدث من تأزّمه حتّى الوضع النّهائيّ، كما نشهد مثلًا في قصيدتَيه “تَوبة صيّاد” و”الطير المجروح”، حيث الأمثولة تحفر عميقًا في القلب والوجدان.
***
وليد نجم هو بحقّ الشّاعر الذي وصفه بقوله: “الشّاعر جنون الشّعر لو معنى ابتكر”. فقد ربط الشّعر بالفلسفة في نظرته إلى الحياة كما عند نيتشه، وتمرّد على المألوف في إثارته الدّهشة وجرأته النّابعة من عفويّته. وفوق ذلك، شُغِفَ بالشّعر، فاستعمله مرآة لمختلف المشاعر المعتملة في أعماقه، تعكس وليد المفكّر، ووليد المبدع، ووليد الإنسان.



