لا يُلامُ الذئب… حين يغفو الراعي: مقالة في زمن التشظّي اللبناني
العميد الركن المتقاعد صلاح جانبين
“لا يُلامُ الذئبُ في عُدوانهِ
إنْ يكُ الراعي عدوَّ الغنمِ”
بهذا البيت اختصر عمر أبو ريشة إحدى أكبر أزمات المجتمعات: حين يغيب الوعي الوطني، أو تُخترَقُ منظومة القيم، يصبح المجتمع سهل الانقسام، وتغدو الأبواب مشرّعة للخصومات والكراهية والعداوات الداخلية.
في لبنان، هذا الوطن الصغير الذي لطالما قاوم وجوده على حافة المخاطر، تتجدد اليوم ظاهرة خطيرة: تفشّي الحقد، وشيوع النميمة السياسية، والتشهير، والوشاية، والتراشق بين الإخوة أبناء البيت الواحد، وكأنّ كل فريق يرى في الآخر تهديداً، لا شريكاً في وطن مُنهَك يحتاج إلى كل ذرة وفاق وتضامن.
لكن الأخطر من ذلك أن يتحوّل هذا التوتّر الداخلي إلى خدمة غير مقصودة لأطماع العدو المتربص عند الحدود، مغتصب الأرض الطامع في المياه والثروات. فالتاريخ أثبت أنَّ أكثر ما يقوّي الخصم هو ضعفنا الداخلي، وأن أقسى ما يصيب الأوطان ليس عدوان الخارج فحسب، بل انهيار الثقة بين أهلها.
فالكراهية مرضٌ اجتماعيّ… يبدأ بالفرد وينتهي بالوطن.
والكراهية ليست رأياً سياسياً، بل تلوثٌ أخلاقي. تبدأ بكلمة نميمة صغيرة، وتتضخم لتصبح جداراً يعزل مواطناً عن مواطن، وطائفة عن طائفة، ومجموعة عن أخرى.
وحين يشي أحد أبناء الوطن بأخيه، أو يشمت بمعاناته، أو يروّج شائعة تؤذيه، فهو يضعف أساس المجتمع من حيث يدري أو لا يدري. وهنا يصبح “الذئب” أقلّ ما نخافه، لأنّ الخطر بات من داخل السور.
فلا سيادة بلا وحدة… ولا حرية بلا مسؤولية.
والسيادة ليست شعاراً يُرفع، بل سلوك يومي:
- حين يحترم المواطن اخيه المواطن.
- حين تنضبط الخلافات ضمن القانون لا وفقاً للغريزة والمصلحة .
- حين يتقدم الانتماء للوطن على الانتماء للفئة او الطائفة او الحزب.
- حين تصبح كلمة الحق أقوى من أي ولاء أعمى.
كما انَّ الحرية الحقيقية ليست في الصراخ أو التخوين، بل في القدرة على رؤية الآخر كشريك في المصير. في بلد مثل لبنان، المتنوع بمعناه والموحد بحدوده، الوحدة ليست خياراً تجميلياً، بل شرط بقاء.
إلى مجتمع سيادي حرّ، وذلك بإحياء ثقافة المسؤولية المشتركة،ولا تتحقق الا بوعيٍ يُذكّر بأن الأمن الاجتماعي لا يصنعه الجيش وحده، بل يصنعه ضمير كل مواطن.
كما تتحقق بنزع السمّ من الخطاب الداخلي، فلا يبنى وطن بلغة الشتائم، ولا بمصطلحات الإلغاء، بل بالعودة إلى لغة العقل، لغة الاختلاف من دون عداوة.
بالإضافة إلى ترسيخ الهوية الوطنية قبل سواها، واللبناني ابن هذا التراب أولاً، قبل الحزب والطائفة والزعامات. حين يعلو الانتماء الوطني، تتراجع كل أشكال التبعيات.
لبنان ليس بحاجة إلى مزيد من الأحقاد، بل إلى قلوب تصبر، وعقول تتعالى، وضمائر تستيقظ. إنّ أعتى عدوّ لا يستطيع أن يكسر شعباً موحداً، لكن جرحاً صغيراً داخل الجسد قد يشلّ كامل الحركة.
فلنعد إلى جوهر هويتنا: شعبٌ يريد الحياة الحرة، والسيادة الكاملة، والاستقرار المشترك.
ولنتذكّر أن الراعي الحقيقي ليس سلطة أو زعيماً، بل كل فرد في هذا الوطن؛ فهو الذي يصون وحدته، ويحرس قيمه، ويختار إن كان سيبقى غنماً متناحراً أم شعباً صامداً متماسكاً.
وختاماً: الوطن لا يحيا بحدوده وحدها، بل بأهله. فإذا استقاموا، استقام معهم، وإن تنازعوا تكسرت اضلاعه.



