سجلوا عندكم

سهيل مطر قارئًا كتاب “منائر من أسرة برادو الشرق” للخوري يوحنّا مراد

Views: 1429

احتفلت أسرة برادو لبنان بعيد تأسيس البرادو، وبمرور ٢٠٠ عام على ولادة مؤسسها الأب أنطوان شفرييه، و٤٠ سنة على إعلانه طوباويًّا، في كنيسة مار يوحنا الحبيب الحازمية. احتفل بالقداس الإلهي سيادة المطران جورج بقعوني متروبوليت بيروت وجبيل وتوابعهما للروم الملكيين الكاثوليك،عاونه النائب العام في الأبرشية ومسؤول برادو الشرق الأرشمندريت كميل ملحم، والأب غبريال عازر خادم الرعية.

بعد القداس  أقيمت ندوة حول كتاب “منائر من أسرة برادو الشرق” للخوري يوحنّا مراد، شارك فيها  المربي أنطوان بربر، الدكتور سهيل مطر، الأرشمندريت كميل ملحم مسؤول أسرة برادو الشرق.

يتضمن الكتاب  مقتطفات من سيرة الطوباوي انطوان شفرييه، وروحانيته ومراحل تأسيس البرادو وانتشارها في العالم والشرق الأوسط. ويروي سيرة حياة ١٧ كاهنًا وأخًا مكرسًا، وعلمانيًا… 

في ما يلي كلمة الأديب والشاعر سهيل مطر:

 

 

أيها الأصدِقاء،

… أما ونحنُ في كنيسةٍ، فكلُّنا إخوةٌ ليسوع، لا ألقابَ تميّزُ، ولا كراسي تتكبَّرُ وتُكابرُ، ولا وجوهًا صفراء تدَّعي صلاة، وهي في حقدٍ وضلال.

وطالما نحنُ في كنيسة مار يوحنا الحبيب، حيثُ الحجارةُ تتنفَّسُ تأوهاتٍ وتراتيلَ، وبحضور سيّدِنا المطران جورج، ومع يوحنا الآخر، يوحنا مراد، فالکلماتُ صلواتٌ، والخُطبُ ترانيمُ وتهاليلُ، ومن كان قلبُه كيوحنا الحبيب، ببراءة الأطفالِ، فلا تصحُّ فيه إلا عباراتُ الحُبّ والحنان.

أيها الأصدِقاء،

تذكَّروا معي، اليوم 10 كانون الأول، يوم حُقوقِ الإنسان، وإنسانٌ من عندنا اسمُه  شارل مالك، كان يكتُب للعالم، للتاريخِ والمستقبل، وثيقةَ حُقوقِ الإنسان، لا سيّما الإنسانِ الفقير، المُهمَّش، الضَّعيف، المظلوم، المقهور، رجلًا أو امرأة، طفلًا أو شابًا، أبيض أو أسود، لبنانيًّا  أو أميركيًّا أو صينيًّا.

تحيَّةً  لهذا الرجُل، ولو بعد 38 سنة على غيابِه.

وقِفوا معي، ولو للَحظةٍ، أمام مشهدِ رجُل أبيض، هو الأعظَم في العالم، يركعُ  صامتًا مُغلقَ العينين، أمام أفقرِ رجُلٍ في العالم، اسمُه شربل، وهو يرنّم له: يا غافي، وعيونك لعينينا نور.

       هذا الرُّكوع، أيها الأصدقاء، يُساوي العصا التي حمَلها يسوع ساعة صرخ:  بيتي بيتُ

الصلاة یُدعی وأنتُم جعلتُموه مغارةً للصوص. ولكن، هل من رأى؟ هل من سمِعَ؟ هل من أحسَّ أنّ البابا، في صمتِه، كان يصرُخُ ويتوجَّعُ ويبكي: أين الفَقر؟ أین التواضُع؟ أين الحُبّ؟ أین الإیمان؟ أین الله ؟

 يا أبتِ الحنون، لاوون، الله بريء منهم…

 

ومن هنا ننتقلُ إلى كتاب الأب يوحنا مراد، الكتاب الذي كشفَ الأقنعةَ، وأضاء الطريقَ، من خلال منارةِ الحبر ومنائرِ البشَر.

 كنت دائمًا أُردِّدُ قولَ الشاعِر:

لم يولد شاعِرٌ في الأرضِ شاعر    عامراتٌ في رُبى البحرِ المنائرْ

 ولكن الأب يوحنا، في كتابه، جعل المنائرَ العشرين نموذجًا ومثالًا وقُدوةً لآلاف المنائر أو المنارات في هذا العالم.

هؤلاء العشرون الفقراء المساكين، المتواضعون حتى الامّحاء، أخرجَهم الأب يوحنا، من النِّسيانِ،  وحوَّلهم إلى ذاكرةٍ حيَّة،  تفوحُ منها رائحةُ البخورِ والشُّموعِ والإيمانِ الحيّ.

الأب Chevrier، المؤسِّس منذ سنة 1879 (146 سنة)، حوّل الـ Prado من ملهى للفساد والعربَدة والضَياع، إلى ديرٍ، إلى قاعةِ صلاةٍ، إلى مُجتمع يلتقى فيه الفُقراءُ المظلومون، إلى بيتٍ للحُبّ والحنان؛

أنا شخصيًّا، ما كنتُ أعرفُ، ولا سمعتُ، لا بالأب Chevrier  ولا بالـ Prado، مع أنني عرفتُ شخصبَّا ثلاثة من هؤلاء العشرين هم، أنيس أبي عاد، أنطوان مقصود، حليم ريشا.

 صحیح أنَّهُم أكبرُ مني سنًا، وقد رحلوا عنّا، ولكنني أذكُرهم، لأنني رافقتُهم وزاملتُهم على مقاعِد الدِّراسة في  إكليريكيَّة مار عبدا وغزير، وما شعرتُ يومًا إلا بنِعم الربّ على وجوههم، وفي سُلوكهم وفي عطاءاتهم اللامحدودة.

 اليوم، من خلال هذا الكتاب، أقول: ما أقبحَ الفقرَ، وما أجملَ الفقراءَ.

أبتِ يوحنا،

لا ننسَ، نحن من ضيعةٍ، هي نموذجٌ للفَقر، ولكن على كِبر وكرامةٍ وعُنفوان.

  وإلى تلك الصبيّةِ التي عيَّرتني، مرّة، أنَّ ضيعتي مسكينةٌ، وقالتها بسخرية، فأجبتُها بلسانِ الشَّاعِر:

تتساءلين علامَ يحيا هؤلاء الأشقياء؟        المُتعبون ودربهم قفرُ ومرماهُم هباءْ

الواجمون الذاهلون أمام نعشِ الكبرياء     الصابرون على الجراحِ المطرقون على الحياءْ

أنستهُم الأيامُ ما ضِحكُ الحياة وما البكاء      أزرتْ بدنياهُم ولم تترك لهم فيها رجاءْ

تتساءلين وكيف أدري ما يرون على البقاءْ؟  إمضي لشأنِك، اسكتي، أنا واحد من هؤلاءْ

يا أبت يوحنا،

       أنتَ، في كتابك، لا تؤرّخ، بل تُعلِّم.  

علَّمتنا أن نكونَ مناراتٍ من أجل الإنسانِ، وأنَّ وجه الله لا يُلغي وجوهًا للبشَر.

 وعلَّمتنا أن لا نؤخذ بمظاهرَ وقياداتٍ وتیجان.

 وعلَّمتنا أن يسوع سكنَ، دون منزِلٍ، وعاش في العراءِ، ولم يفتن ببهارجِ الدنيا وسياراتها وزخارفِ ذهبِها ولذائذِها.

وعلَّمتنا، أنت الباحثُ المُنقِّبُ الصبور، من أين تأتي بكلّ هذا الوقت والعِبر، علَّمتنا أن نُصلّي، وأن نعود إلى حياةِ الراهب شربل، وأصدقائك العِشرين.

وعلَّمتنا أنّ لفظةَ راهب مُشتقَّةٌ من الرَّهبةِ لا من الإرهاب، هل يسمعون؟

فشکرًا لكتابك – المنارة

وإذا کان مُرادُك يا أبونا مراد، كَشفَ الخبايا واستخراجَ الكنوز، وكشفَ الأقنعة، فلا تكترِث للغُبار، فبزخّة “مطر” نمحو كلَّ الغُبار.

وشكرًا لك.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *