الدكتور غسان سكاف كما عرفتُه
زياد كاج
معرفتي بالدكتور غسان سكاف، الطبيب والنائب، الذي رحل منذ أيام، يمكن اختصارها بكلمتين: طبيب انساني ومحترف، ومريض يعاني من آلام “ديسك” مزمنة استوجبت جراحتين!
لديّ خبرة عمل في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت منذ 1985، وامتدت خمسة عشر عاماً ، أمضيتها بين الأطباء والمُمرضات وأهل المرضى. كغيري من الزملاء والزميلات، عرفت تلامذة الطب في شتى الاختصاصات والمراحل، وصرت أعرف ميزة كل طبيب. كثر منهم تخرجوا، وفتحوا عيادات في الجامعة أو خارجها وأصابوا نجاحاً وشهرة محلية وعربية.
مهنة الطب من أصعب المهن وأخطرها لأنها تتطلب رحلة طويلة من التحصيل العلمي المستمر، ومستوى عاليًا من الذكاء العلمي، والكثير من الصبر، ومقدرة مالية لتغطية السنوات الخمس الأولى.
بعد اصابتي بأوجاع “الديسك” المزمنة، بسبب وزني الزائد وممارستي رياضة “الهايكنغ” في أعالي الجبال، عشت على المسكنات لفترة، إلى أن لم يعد بإمكاني احتمال الأوجاع. سألت أحد الزملاء الذي كان يعمل في غرفة العمليات عن طبيب جراح ماهر وصاحب ضمير، فقال لي – بل شدّد – “غسان سكاف…ما تروح لعند غيرو”.
كرر ذلك مراراً أمامي، فقررت حجز موعد، وحصلت على تحويل من قسم الطب العائلي. نحن موظفو الجامعة يُطلب منا الاستحصال على تحويل لزيارة طبيب متخصص. لا أخفي أنني خفت وترددت، فالدكتور غسان سكاف مشهور ومقصود وسمعته معروفة في الخارج. جراح أعصاب يستخدم الناضور والتقنيات الحديثة.
ما أن دخلت العيادة في الموعد المحدد، استقبلني الدكتور سكاف بوجه بشوش، ولطافة ملفتة واهتمام. عاملني كأي مريض يقصد عيادته على نفقته الخاصة أو على حساب شركة تأمين، وليس كمريض مغطى بنظام التأمين الصحي في الجامعة. نحن في الجامعة “لدينا” نقزة من هذا الموضوع. أرتحت، وأخذ الدكتور وقته في عملية الفحص وطرح الأسئلة، وصارحني أن العملية لا بد منها، لكن الأهم هو ما بعد الجراحة. بمعنى الامتناع عن حمل الأوزان الثقيلة وأمور اخرى. شدد عليّ بموضوع الوقاية بعد الجراحة.
كم ارتحت من أوجاعي بعد خضوعي للعملية التي تمت بنجاح على يد الدكتور غسان سكاف، فالتزمت بتعليماته بعد خروجي من المستشفى وعودتي الى العمل. وصية الدكتور سكاف كانت “عدم حمل وعدم جرّ” الأوزان الثقيلة. ما عدت أحمل أي غرض يزيد على كيلو واحد. حتى ابنتي الوحيدة لم أحملها يوما منذ ولادتهاً. كنت أجلس وأضعها على حضني. ولم أعد أحمل البطيخ على الدرج.، بعدما كانت عادة استمتع بها.
“تجنب الدرج قدر الإمكان”، كان يكرر توصياته في كل زيارة لعيادته.
المريض أفضل دعاية للطبيب. والدكتور غسان سكاف لم يكن بحاجة لها.
“يا ابني أنا ما فيي أعمل كتير عمليات”، صارحني مرة، “نحنا منتعب بشغلنا.. والعمليات بتاخد وقت”.
كان مقدّرًا لي بعد سنوات أن تتكرر معي مشكلة “الديسك” بسبب خطأ ارتكبته خلال ممارستي رياضة “الهايكنغ”. المشكلة في لبنان أن هذه الرياضة الجميلة والراقية التي تتطلب المشي في الطبيعة النائية والعذراء، ليست مراقبة جيداً من قبل الدولة. فحدث أن شاركت في “هايك” مع مجموعة غير محترفة. في طريق العودة، اُجبرنا على سلوك ممر جبلي قاس جداً صعوداً. وهذا لا يناسب شخصًا خضع لعملية “ديسك” ولو منذ سنوات.
بعد أشهر، عدت الى عيادة الدكتور غسان سكاف متألماً . في قاعة الانتظار المكتظة طالعني مشهد: مريض جلبه أهله الى العيادة وهو يصرخ من الألم. لم يستطع المسكين الجلوس على الكرسي، رمى بنفسه على الأرض وهو يتشقلب ويتلوى ويصرخ. حاولت الممرضة مساعدته دون جدوى. كان من الأفضل أخذه الى الطوارىء.
قبل الدكتور سكاف اجراء عملية ثانية ولم يعاتبني. تفهم وضعي وقام بواجبه الطبي معي على أكمل وجه. بعد خروجي من غرفة الانعاش، ونقلي الى غرفتي، أمضيت السهرة أغني واتحدث مع الأصدقاء بعد التخلص من آلام الديسك التي لا تحتمل. أما زوجتي فأمضت الليل نائمة على حافة السرير.
حتى اليوم، لا أنسى فضل النائب الدكتور غسان سكاف عليّ وعلى كثر من المرضى الذين ساعدهم وشفاهم من مشاكلهم الطبية. لم يكن الدكتور سكاف “طحيش” ومتحمس لإجراء العمليات الجراحية. كان يلجأ الى النصيحة والوقاية والأدوية، وهذا ما حصل مع شقيقتي عندما قصدت عيادته.
رحم الله الدكتور غسان سكاف الذي لم تخطفه النيابة و “النمرة الزرقاء” من عالم الطب وخدمة الناس. كنت أتابع أخباره في الصحف واللقاءات التي كان يعقدها، فوجدته سياسياً وسطياً متواضعاً، محباً لوطنه ولمنطقته في البقاع، عيتا الفخار، ساعياً وراء الحلول السياسية الوقائية، وليس الجراحية. فكان السياسي الطبيب في بلد تعتبر السياسة فيه لعبة تقوم على الشطارة والمكيدة والغلبة.
لي صديق مخضرم، كان جارنا في رأس بيروت في أواسط السبعينات والثمانينات. الاستاذ محمد بكري، أبن بلدة كامد اللوز البقاعية، أزوره من وقت لآخر نهاية الأسبوع. أستمتع لمجلسه وهو المثقف العالم البشوش، صاحب الحكمة والتجربة، والنكتة الحاضرة. سألته ونحن ندرّدش على فنجان قهوة عن الدكتور سكاف كنائب عن زحلة!! ضحك … وصحح لي بأنه كان نائباً عن البقاع الغربي، وأنه فاز على النائب ايلي الفرزلي رغم تفوق الأخير بعدد أقل من الأصوات. نال الدكتور 700 صوت، بينما نال النائب السابق لرئيس مجلس النواب، 3000 صوت. للانتخابات عندنا حساباتها ومعادلاتها. فرحت للمعلومة.
النائب الدكتور غسان سكاف المتواضع، الذي صبر على مرضه، لم يكن خسارة فقط لمهنة الطب وللجامعة الأميركية في بيروت، وللبقاع وناسه، بل للبلد والحياة السياسية فيه التي تفتقد إلى الطهارة ونظافة الكف.
دكتور سكاف…روحك بالسما…صلِّ لنا.



