“أنا وغيفارا” مشعل المسرح الغنائي في يد الأخوين فريد وماهر الصبّاغ
د. جورج طراد
هناك نقطتان أساسيتان لا بد من التوقف عندهما، ولو سريعًا، قبل الكلام على المسرحيّة الغنائيّة “انا وغيفارا” للأخويْن فريد وماهر الصباغ والتي تقدًّم على خشبة مسرح جورج الخامس – أدونيس.
النقطة الأولى تتعلق بجرأة الأخوين الصباغ على تقديم عرض بهذه الضخامة في وقت يسود الضمور على الإنتاجات المسرحيّة القائمة في الوقت الحاضر، وذلك للأسباب الإقتصادية المعروفة والمتفاقمة منذ سنوات، فرهان الأخوين الصبّاغ على المسرح الغنائي الذي ما كان ليستمرّ لولا جهودهما الجبّارة، هو رهان أساسي، وربما مصيري، بالنسبة إلى هذا النوع من الفن الراقي الذي شهد ذروة مجده على يد الأخوين رحباني وروميو لحود. وها أن الأخوين الصبّاغ يحملان المشعل ويتابعان الطريق صوب الأفضل، رغم كل التحديات.

أمّا النقطة الثانية فتكمن في السر الذي يدفع الأخوين، في هذا الوقت بالذات، إلى استعادة تاريخيّة ثورة شكّلتْ علامة فارقة في العالم الحديث من خلال رمزيْن ثورييْن بارزيْن هما فيدل كاسترو وتشي غيفارا. أليس غريبا أن تُستعاد مثل هذه الثورة الرافضة في زمن الإستسلام والخضوع والتسليم بمشيئة الهيمنة السائدة؟
يقينًا أن الأخوين صباغ، في جرأة مقاربة النقطتيْن، إنما يرفعان التحدي، ولو فنيّا، إلى مستويات عالية يجدر التوقف عندها، لاسيما وأن تجاوب الجمهور مع إغنيات العمل المتعلقة بالثورة والحرية كان تجاوبًا واسعًا. ما يعني أن الرسالة الفنيّة وصلتْ.
ومسرحيّة” أنا وغيفارا” ليستْ جديدة من حيث الموضوع، إذ سبق للإخوين الصبّاغ أن قدّماها قبل عشرين سنة، إي في مقتبل العمر والتجربة الفنيّة. لكنها جديدة لجهة المقاربة، إخراجا ونصّا معدَّلا يتناسب والنضج الذي اكتسبه الأخوان في خلال كل هذه السنوات، إن فكريّا وإن فنيّا. ومَنْ حضر المسرحيّة بصيغتيْها الأولى والراهنة يكتشف عمق التعديلات التي أدخلها الأخَوان عليها. يكفي أن نشير على هذا الصعيد أن لا قتلى في الثورة الجديدة باستثناء إعدام الخائن. وفي هذا دلالات كافية. كذلك ثمة تساؤلات مضنية في الصيغة الجديدة تتعلق بحق المنتصر بإصدار أحكام الإعدام وإنهاء حياة آخرين لم يناصروا الثورة لسبب أو لآخر. حتى تشي غيفارا نفسه رمز الثورة فإنه يطرح هذه الأسئلة المضنية على نفسه. يكفي أن يجعله الأخوان يفعل ذلك ليقولا ان التصفيات الدموية العشوائيّة لا تنتمي، بأي شكل من الأشكال،إلى نبض الثورة الحقيقيّة.

باختصار، تأثير العمل لا ينتهي بانتهاء عرض المسرحية، إنما هو يبدأ بعدها ويتعمق على الأرجح. وهذه واحدة من سمات العمل الفني الناجح الذي تكون له بدايات دائمة مع كل مشاهد واعٍ.
على صعيد التمثيل، جاء” الكاستينغ” موفقًا وكذلك إداء الممثلين. فريد الصباغ في دور تشي غيفارا، وماهر الصباغ في شخصية فيدل كاسترو، جاء اداؤهما طبيعيّا وسلسًا للغاية. نادين الراسي نجحتْ مسرحيّا وأداؤها لاقى ترحيبًا من الجمهور الذي اشتاق إلى طلاتها بعد غيابها الطويل عن المسلسلات. جوزف أصاف الذي اعتدناه مبدعًا في الكوميديا فاجأنا باتقانه لدور الديكتاتور باتيستا. أما انطوانيت عقيقي وريمون صليبا المتمكنيْن من الإداء الكوميدي فقد أضحكا الحضور بخفة ظلهما وبحركاتهما الطريفة. وهذه هي المرة الثانية،بعد ” مش بس بالميلاد” التي يعتمد فيها الأخَوان على الثنائي صليبا عقيقي فيجعلانهما زوجيْن طريفيْن يضفيان خفة الظل على العمل. رفيق فخري أيضًا كان مميّزا في إدائه وقد جاء دوره معبّرًا. أما ألان العيلي فقد لفت الأنظار بتعبيره الرشيق وكذلك سبع بعقليني بلحيته السوداء، نجح في حركته النشطة على الخشبة.

وهنا يأتي الدور إلى وجه محوري في العمل. إنها كارين رميا التي أبدعت غناء كما أبدعتْ تمثيلا. واللافت أيضا أنها في هذا العمل شاركت وهي تغني في الرقص المعبّر والموحي على إيقاع موسيقى مشغولة ومتقنة أصبحتْ جزءًا لا يتجزأ من عمل الأخوين الصباغ في هذا المسرح الغنائي المميّز.
ويبقى الكلام ناقصًا إذا لم نتوقّف عند ألأغنية الختاميّة التي يؤ ديها الأخوان فريد وماهر. فعلا هي احتفال بالمسرح وبالدور الذي يلعبه في ترقية الإنسان والمجتمع. إنه الصدق في تجربة الأخوين، وهوصدق يستحق الإعجاب والتشجيع.



