ليكن لبنان نوح العالم
الدكتورة نازك ابو علوان عابد ، المربيّة والكاتبة و المتجلّية في فضاء المعرفة والروح ، تركت ارثًا ثقافيًا كبيرًا ما زلنا نغتني به، رغم وفاتها في آذار العام ٢٠٢٢ .
اضافة الى مؤلّفاتها الخمسة ومقالاتها المنشورة يبقى الكثير من النصوص والخواطر المكتوبة بحبر الوجدان غير منشورة بعد .
في ما يلي نصّ غير منشور في عنوان “ليكن لبنان نوح العالم”:
د. نازك ابو علوان عابد
لا افهم سرّ الذاكرة أهي تعمل باستقلالية دون استدعاء ، بل لها حيثيتها الخاصة؟ و تخضع لمثيرات شتّى تمليها أوضاع آنيّة؟! والذي اعلمه انها منذ مدّة ، ذكريات ملحاح تعيدني الى اجواء المدرسة و فعالية دورها في مكوّنات الذات ، وفيها يوم كنت تلميذة ،بين مجموعة طالبات في الصف المتوسط الثالث نشغل غرفة في زاوية الطابق السفلي، تشرف نافذتها على الشارع مباشرة . و قُدّر للمدرسة مديرة ذات حضور فعّال و وقار، و مثاليّات لا تُبارى ، فيكفي إطلالتها لتنتظم كافة الامور، ولا أذكر وجود نظارة تنظّم و تردع، كانت تدعو المراقبة الذاتية متوصلّة أن تتركنا بمفردنا في قاعة الامتحانات ، معلنةً ثقتها أن لا إحدانا تسوّل لها نفسها الخطأ، و إن حصل فالمجموعة تفصلها خارجا!
و حصلت نكسة إثر تغيّب المديرة عن المدرسة لأمر هام ، و كنّ في ساعة مذاكرة و بيننا زميلة ذات حركة و خفة و تأثير . وما أن سمعت مناداة بائع كعك حتى اغتنمتها فرصة مؤاتية ، فجمعت من زميلاتها مبلغا و تناولت من بائع الكعك عددا من الكعك و قسّمت ما اشترت . و أكلن جميعا الا انا و زميلة المقعد، دانتي الفتاة الهندية. فكان رفضنا حاسما رغم الإصرار ، انتهى الموضوع و أطلّ يوم آخر..و أطلت علينا مديرتنا متجهّمة الوجه عالمة بما جرى !
تبادرنا بنصحٍ و إرشاد و مرارة بما اصابها من خيبة أمل ، و بعد لومٍ و تقريع أخجل المجموعة.
تسأل : من منكنّ لم تشترك مطلقاً إن بدفع او استدعاء البائع أو المشاركة في أكل الكعك. صمت ساد الموقف، و بعد تكرار السؤال بجديّتها المعهودة و صوتها الهادئ ، وقفت زميلة لنا تعلن اسمينا ، أنا و دانتي ، فابتسمت المديرة قائلة : هذا ما توقعته، ليس بفعل النبوءة فأنا لا اتنبأ! ولكن صفات المرء تعريف ثابت له. الاخلاق حصانة تعصم عن الخطأ…تسارع نبض قلبي فأنا أرفض التمايز . أحب رفيقاتي ، الله جلّ جلاله حفظ استمراريّة الحياة و استبقى الجنس البشري من اجل صبر نوح و تقواه .
وفي هذا الصف نوحان بدلا من واحد ، و احذرنّ من تكرار هذا العمل ، هكذا اسامح و أجدد الثقة… وقفت بحياءٍ جم . اشكرها مع انهمار دمعي ، استميح القارئ الكريم عذرا، فأنا لا اكتب للتباهي، فتصرفاتي تعود أولا لمحبتي الوافرة لمديرتي ، و إعجابي بها ، و إنه من الطبيعي أن يتحاشى المرء إغضاب من يحب ، ” إن المحب لمن يحب مطيع” بالاضافة الى تربيتي الجبلية الصارمة . الداعية الى مكارم الأخلاق، ناهيك لبعض التعليقات من المحيط على بعض مفرداتي و لهجتي مما جعلني انكفئ على قيم آخذ بها نيلا لرصيدٍ معيّن ، ولعل دانتي التي عُرفت بتهذيبها الجم لها تطلعاتها المستنيرة بإنجيل بوذا السعيد و تعاليم نبيّ القرن العشرين غاندي ، و أعود الى قصة نوح و رمزيتها وقوفا لما توحيه من تفسيرات و عبر .
الله طهّر الكون بالماء ، انزله مطرا غزيرا روى الأرض و أحيا تربتها ” و جعلنا من الماء كل شيء حي ” و لم يتوسّل اهراق الدماء التي يمجّ رؤيتها على الارض ، ارادها في الجسد مادة حياة سخّر لها كل الوان الغذاء ، لتتحول طاقة ينظّم طاقتها القلب الذي يريده للانسان نقيّا طاهرا .
الله سبحانه و تعالى غفور رحيم ، والمديرة الحبيبة عليها وابل الرحمة، اردت من سرد القصة اعطاءها مثلا يحتذى ، فما اجمل و اروع تفعيل التراث استنهاضا لمكامن الخير في الانسان ، لتعبّر عن اصالة بلدي، بلد القدّيسين والاولياء . ما زلت اذكر كلام جدّتي بان هذا الوطن لا ولن يتغيّر و هي تردد ما حفظته عن السلف ” ببركة مؤمن تعمر جزيرة ” ، والمخلّص اكّد امكانية نقل جبل من مكانه ، إن كان لمن شاء ذلك ذرّة من إيمان ، معلنا أبدّية كلامه
” الأرض والسماء و كلامي لا يزول ” فليكن لبناننا الغالي بأصله واصالته نوح العالم ، كل العالم ، يطلق صحوة سلامٍ تجوب ارجاء الدنيا و تعود اليه بغصن الزيتون هديّة لبلد الرسالة .




