سمات فلسفية متناقضة في مجموعة “همسات في أذن امرأة لا تتكرر” لشوقي هلال
وفيق غريزي
الشاعر الحديث متفرد، متميز في الخلق، وفي مجال انهماكاته الخاصة، كشاعر، وشعره مركز استقطاب لمشكلات كيانية يعانيها في حضارته وثقافتها وفي امته وعصره وفي نفسه هو بالذات.
ومن هذا المنطلق يمكننا القول ان الشعر الحديث هو نوع من المعرفة التي لها قوانينها الخاصة في معزل عن قوانين العالم. ان احساس شامل بحضورنا، وهو دعوة لوضع معنى الظواهر من جديد، موضع البحث والتساؤل وهو لذلك ، يصدر عن حساسية ميتافيزيقية، تحس الأشياء، احساسا كشفيا. الشعر الحديث من هذه الوجهة، هو ميتافيزياء الكيان الإنساني.
الشاعر شوقي هلال وفي مجموعته الثانية ” همسات في اذن امرأةلا تتكرر ” هو من الشعراء الذين يدأبون على التمايز والتغاير عن كل ما هو سائد ومتبع، ولهذا نراه لا ينفصل عن رؤاه وهواجسه وسخريته الحادة. وقد اختار قصيدة النثر حينا، والقصيدة الكلاسيكية حينا آخر، كشكل تعبيري عما يختلج في أعماقه.كتابته تمس وجدان وعقل القارىء الذي يدأب على قراءة الشعر،وتغايرية الشاعر شوقي هلال خاصة به، مفعمة بالسخرية والقلق والتشاؤم.
ومن المؤكد وكما تظهر نصوصه، فانه يعاني من أزمات نفسية يحس بوطأة آلامها، إلا ان معجزته انه لا يعكس هذه المعطيات وحسب، بل يتجاوزها، فليس اثره الشعري انعكاسا، بل فتح، وليس شعر رسم بل خلق.
جوهر بعض نصوص الصديق القديم والجديد شوقي هلال قائم على ما يتجاوز الواقعية والشكلانية. انه تغير إيقاع، نقل الواقع بإيقاع إبداعه، ويجد واقعا اغنى وراء وقائع العالم.
مؤثرات متناقضة:
لقد اتسمت نصوص شاعرنا باغلبيتها بسمات مؤثرات متناقضة، تراوحت بين النظرية الشوبنهاورية ( نسبة الى الفيلسوف الالماني ارثر شوبنهاور ) والمأسوية ( نسبة للفيلسوف فريدريك نيتشه ) والأفلاطونية ( نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أفلاطون ). الأمر الذي ألقى على هذه النصوص الطابع الفلسفي المتباين في اتجاهاته ومناحيه. تمايز المبدعون بعضهم عن بعض في داخل الحياة الروحية الباطنية نفسها، فمنهم من يصدر إبداعه من تجارب حية يعانيها، وتكون أفكاره ونتاجاته ممتزجه بدمه او على حد قول نيتشه : تكون الحقائق بالنسبة اليه دموية، فاذا تحدث تحدث عن أشياء عاشها، وسرت في كيانه وخلاياه، لا عن حوادث تمثلت في المخ على شكل صورة مجردة لا حياة فيها ولا دماء، انما كتب بكيانه كله لحما ودما، وقلبا وعقلا، وعاطفة، واحساسا. وفي أحيان يقف مندهشا من الوجود وتعقيداته، لهذا يقول الشاعر شوقي هلال : ” هل الوجود عبث غير معقول ؟ ام ان لدي شيئا من سوء الهضم الروحي مرتكزا على الكسل، والوهم الذاتي “.
ومن سمات نظرية ارادة الحياة، التي وضع اسسها شوبنهاور، هي ان الارادة جوهر وجود الانسان، ففيها يجد الانسان بالتأمل الباطن المباشر الجوهر الباطن الحقيقي للانسان، الذي لا يمكن ان يفنى، وهي البذرة الحقيقية الوجودية في الانسان، هي، في كلمة واحدة ” الشيء في ذاته”.
الارادة اذن، هي الجوهر الخالد غير القابل للفناء عن الانسان، ومبدأ الحياة فيه هكذا يفهم شوبنهاور الارادة، اما شاعرنا فيفهم الارادة انها قوة نفسية تأتمر بالعقل وتصدر افعالها عن بواعث يمليها العقل باحكامه، لكن هذه الارادة غير عاقلة، ان ارادةالحياة في المعنى الحقيقي للوجود، وهي سر الواقع، وليست كلمة جوفاء :؟
” الجانب المرئي مني
هوجزئي الميت
في حين ان جزئي الثاني
إرادتي المحدودة
هو الذي يشكل وجودي “.
وفريدريك نيتشه نقض استاذه شوبنهاور، ووضع نظرية ( ارادة القوة ) بدلا من ارادة الحياة، ودعا إلى الإنسان الأعلى ( السوبرمان ) وقد اكد نيتشه ان الانسان وتر مشدود بين الحيوان والإنسان الأعلى، وتر على هاوية، والغاية من الإنسانية إذا خلق هذا الإنسان الأعلى ومن اجل هذا كان لابد للقيم الجديدة التي نضعها ان تكون عاملة على ايجاد هذا النوع، ومهئية له، اما الشاعر هلال فيقول :
” الجنس البشري، وسط بين الإنسان والحيوان، فهو ارق من الحيوان بامتلاكه وعيا …وهو ادنى من الإنسان، إذا لم يطور وعيه في بناء شبكة واسعة من الوجدان … تجعله يحترم القيم كضرورة لأمنه وبقائه، وتطوره حتى يصل الى الإنسان الأعلى.
العبقرية والشقاء:
الصفة اللازمة للعبقرية هي الشقاء، فالعبقري شقي بالضرورة في الحياة، وفي الحب لانه يضحي بسعادته الخاصة في سبيل الغاية الموضوعية، ولهذا قيل من جراء الالم والكآبة تتولد العبقرية. ولا يستطيع العبقري ان يفعل غير ذلك، لان في هذا أودع رسالته.
فالعبقرية، وان جادت على صاحبها بالنعمى الروحية، ابان تجلياته الإلهامية وبوارق الوحي ولطائف الوجدان. فانها ليست صالحة لان تهيء له في الحياة مرتعا ناعما، يقول الشاعر شوقي هلال :
” التهب الحب في الحشا
ففاحت منه رائحة الجنون
حين صار نارا في الرأس،
فاحت منه رائحة العبقرية “.
متخرجو الحب ثلاثة : مجرم ومجنون وعبقري، فعند شاعرنا يلتهب الحب في الاحشاء، يصاب المحب بالجنون، وعندما تضرم ناره في الرأس يصبح عبقريا، وعندما يمسك الحب بالمدى الجارحة يتحول المحب الى مجرم.
المرأة والحب:
داخل كل امرىء وحش، اسمه الغريزة، وانسان العقل والإرادة اللذان هيئا في الأصل لاختيار الخير وتحقيقه، وجردت الغريزة من كل توجه خيري. من روافد الغريزة في الانسان، الشهوة، تلك الطاقة الهائلة المتجهة دائما نحو ما يلذ النفس ويشبعها.
ولقد وجد الانسان نفسه في لحظة واحدة بين شيئين متناقضين ظاهريا، ولكنهما متكاملان فعليا لان الجسد – الشهوة، لا يكون كذلك. إلا بوجود مطابقة وهو الروح – العقل، والخلق والإرادة الكامنة الضابطة المتدبرة. وأكثر الناس تعرضا للصراع بين الشهوة والسمو الكلي وتحسسا لاعتمادات هم المبدعون فنيا، من شعراء وأدباء ورسامين وموسيقيين الخ..والعلماء الأولون يكتوون بنار المرأة ويسعون الى خلقها من جديد تخليدا لشهوة اعظم وابقى، واخرون لحاجتهم الطبيعية الى المرأة لكنهم يتجاوزونها في سبيل البحث عن الحقيقة التي تتنافى لديهم مع المرأة.
ولكن في هذا العصر المادي، عصر التكنولوجيا المتطورة والاتصالات الحديثة،وسيطرة النزوع نحو الثراء المشروع وغير المشروع، طغت الشهوات الغريزية المجردة من المشاعر والاحاسيس الوجدانية. وطغيان هذه الشهوات الحيوانية وإشباعها استعبدا الطبيعة البشرية وهكذا ينساق الى اعتبار الحرية تحررا اخلاقيا من الرذائل ومن قيود ضرورية من شأنها ان تحول دون تقدم المجتمع. ولم يعد للحب بمفهومه الصحيح مكان في هذا العصر، إلا لدى قلة من المتنورين. وفي هذا الصدد يقول شوقي هلال :
” يتناول الكائن البشري كلمة ( الحب ) بمفهوم يختلف عن مفهومها عند الإنسان فألح عند البشر ككائنات حيوية هو نشاط غريزي، بينما عند الإنسان نشاط واع وشوق الى المطلق “.
وكثير من المبدعين، ممن شكلت المرأة لديهم جوهر الصراع في كيانهم وأدبهم المتعاظم في غناه وإبداعه. بعضهم جاهر بالعلاقة وحسمها بالانغماس في ملذاتها، يتصدرهم الشعراء، وبعضهم جنح نحو التسامي وفازت الروحانية. وفي نصوص الشاعر هلال نتلمس هذا الصراع والآثار التي تتحول خفية نحو المرأة، وتغلف بأردية شفافة لا تكاد تفصح عن شيء من الرغبات الجسدية.
ولكن شاعرنا نحت هيئة محبوبته من عناصر روحية ومعنوية، قليلا ما نرى فيها اثرا لغريزة الحيوان والإنسان معا، كي لا تفسد الصورة وتتحول إلى اتون من الجمر يحترق بقدر ما يحرق الآخرين. وما دامت كائنا على هذه الصورة، ينبغي ان تكون مطهرة من الرجس والأدران. فهي شكلا من الجنس البشري، وفي الجوهر قالب من الطهارة والحياة الندية، التي لا يدرك احد نهاية حسنها وروائها وسحر جمالها.
فيقول هلال :
” لا اعلم شيئا ضميني
اذ منذ ملايين الأعوام
أنا مشطور عن ذاتي
والآن … وجدتك … ضميني
ودعيني انام “.
في محاورة المأدبة لأفلاطون يقول : ان الكائن الإنساني ، الواحد شطر الى شطرين، ذكر وأنثى، ومنذ ذاك الحين وكل شطر يبحث عن شطره الاخر ليكتمل، وتعود اليه الوحدة والاستقرار. وهكذا حال شاعرنا مع محبوبته.
وضم الديوان مجموعة من القصائد باللغة العامية وفي احداها يقول :
” شفت الحزن بعيونها
عم يرسم البسمي
بلون لا سامي
وريشةًالكلمات
فتشت عن اسمي
لقيتو … مات “.
وفي الختام : التبس على الشاعر شوقي هلال او يجهل، ان الإلياذة هي للشاعر الإغريقي هوميروس، وليس للشاعر الروماني فرجيل الذي وضع ملحمة الإنياذة …




