سجلوا عندكم

لبنان… التاريخ لا يجامل

Views: 1117

د. زهير علامة

 في دفاتر التاريخ، لا تسقط الدول فجأة؛ فالسقوط ليس برقًا خاطفًا، بل حصيلة مسارٍ طويل من التآكل الصامت.

قرأ ابن خلدون هذه السنن قبل قرون كمن يقرأ نبض الزمن: قال إن الدولة تولد من عصبيةٍ جامعة، وتستقر بالعدل، وتزدهر حين يثق الناس بأن القانون يحميهم، وأن العمل يُكافأ.

لكنها تذبل حين يعلو الظلم، وتكثر الجباية مقابل خدماتٍ هزيلة، وتُستنزف موارد الناس، ويختنق الاقتصاد، وتتحول السلطة من خدمة العمران والازدهار إلى افتراسِه.

لبنان اليوم يقف على تخوم هذا المعنى.

ليس بلدًا فقيرًا بموارده البشرية، ولا فقيرًا بذاكرته الثقافية، لكنه وطنٌ يشيخ قبل أوانه لأن روحه الجامعة تتآكل.

هنا لا ينكسر الوطن بضربةٍ واحدة، بل بتآكلٍ بطيء يشبه الصدأ الذي يلتهم الحديد من الداخل.

حين يضعف الإطار الوطني، تتكاثر الإطارات الصغيرة.

تصبح الطائفة وطنًا مصغّرًا، وتتحول إلى حصنٍ يحمي الفساد، ويغدو الفساد جزءًا من الهوية السياسية.

والمواطن الذي يُفترض أن يكون رقيبًا على السلطة، يتحول إلى حارسٍ لها.

ويتحول القانون إلى نصٍّ قابلٍ للتأويل، والعدالة إلى وعدٍ مؤجَّل، والولاء إلى عملةٍ تتداولها مصالح السياسة ونفاقها.

فتتعطل آلية الإصلاح.

وفي هذه اللحظة تتبدل اللغة: يصبح الفساد “حقًا مكتسبًا”، والمحاصصة “توازنًا”، والسكوت “حكمة”.

تختلط المعاني حتى لا يعود الناس يميزون بين حماية الجماعة وحماية من ينهب باسمها.

يعلو صوت الضجيج، بينما يخفت صوت الحكمة.

وهذه، في منطق العمران، ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل أزمة معنى: يفقد الناس إيمانهم بأن الدولة لهم جميعًا.

ويتحول الوطن إلى محطة انتظار: انتظار الأمل، وانتظار الرحيل…

ويكتب التاريخ نهاياته السوداء.

الدول، كما يقول ابن خلدون، تمر بدورات.

وما يتآكل يمكن أن يُبنى من جديد إذا استُعيدت شروط البقاء:
عدلٌ لا يُستثنى منه أحد، ومؤسساتٌ لا تُختزل في أشخاص، وعصبيةٌ وطنية تعلو فوق كل عصبية.

لبنان ليس قدرًا محتومًا من الانهيار، بل احتمالٌ مفتوح: إما أن يبقى في حلقة تقديس الساسة وتبرير الفساد، وإما أن نكسر هذه الحلقة ونعيد الاعتبار لفكرة الدولة… ونستعيد نهضة لبنان.

والسؤال الذي لا مهرب منه:

هل يريد اللبنانيون دولةً فعلًا؟

أم يريدون ساسةً أقوياء في دولة ضعيفة؟

لأن الجمع بين الاثنين مستحيل:

إما دولةٌ قوية وساسةٌ خاضعون للقانون،

أو ساسةٌ أقوياء ودولةٌ منهارة.

التاريخ لا يجامل،

والأوطان لا تبقى بالشعارات.

إما دولةٌ تحكمها القوانين… أو حياةٌ على هامش وطن.

 

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *