سجلوا عندكم

“صفوة الإبداع” جديد الدكتور جورج شبلي عن “دار صادر”

Views: 480

صدر عن “دار صادر” في بيروت كتاب “ صفوة الإبداع ” للدكتور جورج شبلي، أهداه إلى حفيده أوليفر. الغلاف من تصميم الفنان إيلي جورج نادر. الكتاب  وهو ثالثُ السلسلة النّقدية، بعد “مبدعون من لبنان” و”قامات ومقامات”. 

 

 

 

توطئة

يبدأ الكتاب بتوطئة ضمنها دكتور جورج شبلي رسالة وجهها إليه صديقه الأديب الرّاحل إيلي مارون خليل، استهلها المؤلف بالتالي: “…) “وما كتبَه شيءٌ من إبداعٍ له مع إيلي صداقات، وفيه رسالة تركَت في قلبي نسماتٍ يصوغُها الفرح، سرعانَ ما تحوّلت أثلامًا من دموع عندما تركَنا الى الفَوق، حيث أشباهُه الأبرار.

كتبَ إيلي :

” جورج شبلي قلمٌ من نور يكشفُ الجَمالات، ويشيرُ الى القِيم، بمحبّةٍ ونُبل. يدرسُ، هو، الأدباء، كُتّابًا وشعراء، عارضًا مُحَلِّلًا مُستنتِجًا، فلا يشيرُ إلّا الى الجَميل القَيِّمِ الباني. هو إنسانُ محبّة، إذًا. والمحبّةُ تسمو بِمَنْ تُحِبّ. وهي طريقُ النُّبل، وتاليًا نحو الارتقاء. يبدو جورج شبلي يبني أدبًا إنسانيًّا مُشرِقًا، هادفًا الى بناء إنسانٍ راقٍ ” على صورتِهِ كَمِثالِه “. جورج مُحِقّ، ونحنُ نُحبّه !”. 

كذلك تتضمن التوطئة ما كتب جورج شبلي في  وَداعِ إيلي  ايلي مارون خليل:

في الزمنِ المرّ، حيثُ الظّلمةُ تَنتدبُ الناس، والوجهُ الجائرُ للدّنيا، يستبيحُ القلوبَ بأقسى  أنواعِ القَصاص، وكأنّ القَدَر له في ذِمَّة القلوب قَرضٌ يستوفيهِ بالعِقاب، ليتنفّسَ وجعُ الفراقِ ما يتجاوزُ المألوفَ من الأَسى، وما يُغَوِّرُ الدَّمعَ في الحنايا لتحفرَ فيها أثلامًا من الحزن.

ايلي مارون خليل الأديب الرّاقي، المنتسِب الى أحساب النّقاء، الذي أَتقَنَ الطِّيبةَ، وهي رِزقُه، كان مشروعَ محبّةٍ مستمرَّة، أو قنصُلَها من دون مرسوم. هو معجوقٌ، دومًا، بالرقَّة، وعذوبةِ المعجمِ، فعلاقتُهُ بهما كالعلاقةِ بين الشّمسِ وقوسِ قُزَح الذي يعكسُ النّور، ويوزّعُهُ حَبّاتِ محبّةٍ وإبداع، لا يعتدلُ مزاجُ ايلي إلّا بهما.

أيلي مارون خليل، الأستاذُ الشّاعرُ الذي يُرتَجى جِوارُه لصِلتِه بالقِيَم، آمن بأنّ المحبّةَ روحٌ يتمرّدُ بها صاحبُها، صَدًّا للكَدَر، ونُفورًا من الرّديءِ ومَعالمِ القبح، لذلك، تركَ ريشتَه تسترسلُ في الكتابةِ بما أَمَدَّتها به محبّتُه الصّافية، وقريحتُه المتوقّدة، وبما أَقبلَ عليها من ذَوقِه السّليم، تُظَهّرُ الموهبةَ بالكلمة، وكأنّه يتصرّفُ في مذاهبها تَصَرُّفَ المالِكين، لأنه النقيُّ الذّهن، الوجدانيُّ المثَقَّف، لم يَحُلَّ مئزرَ قلمِهِ إلّا للسَّلِسِ من الأبياتِ والنّصوص التي أعتقَها إبداعُهُ من لَمسِ الأرض. 

ايلي مارون خليل البريءُ من التكلّفِ في المصادقة، فصداقتُهُ ذَوبُ الإحساس، هي مُلَحٌ من المَودّةِ تختلطُ بأجزاء القلب، وهي محبّةٌ لا تُشَبَّهُ إلّا بِإخلاصِ صاحبِها، وفرائدِ شِيَمِه. فإيلي الرَّقيقُ الذَّوق، رفيقُ دربِ العمر، منذ مقاعدِ الجامعة، مخلصٌ للمحبّةِ في كلّ موضع، وغيرُ متأثّرٍ إلّا بها، وحسبُنا أن نُصادقَه، لنعرفَ أنّه دقيقُ الرّابطِ، مُتنوِّر، وملتزمٌ بوِجدانِه الموسومِ بالوِدّ، وبحسِّه المُرهَف، ومالكٌ لبشاشةٍ مُعافاة، وواقفٌ على ضِفّةِ الصّفاءِ بيُسرٍ ملموس. 

 أن نكونَ معه، يعني أن نُصيبَ لحظاتٍ لؤلؤيةَ السِّحر، هي صنيعةُ رَجُلٍ نبيل، يتسلَّقُ أدراجَ الحياةِ بِلا تَعَثُّر، ويُتقِنُ أرستقراطيّةَ الحُضورِ بروحٍ قَرَويّةٍ حريصةٍ على الأصالة. ايلي لم يلبسْ، مرّةً، خَلعاتِ التّشاوف، ولم يكنْ مِمَّن يأخذُهم الزَّهوُ والعُجبُ والكبرياء، بالرَّغمِ من قَطفِهِ تقديرًا مستمرًا عاليَ المستوى، من مرجعيّاتٍ تربويّةٍ وأكاديميّةٍ مرموقة، لكنّه بقيَ مُبتَسِمَ الظلّ، فكَبُرَ شخصُهُ على تقديرِه.

في مدارسَ متنوّعة، مارسَ ايلي التّعليم، وهو الحِرفةُ التي يلازمُها، دومًا، حلاوةٌ وضَنًى، فكان بَرًّا بالرسالة، متفانِيًا، مندفِعًا لبَثِّ المعرفةِ لتلامذتِهِ، بمحبّة، ففي حَقِّ المُتَلَقّين لا فَصلَ عندَه بين المحبّةِ والعطاء، وهكذا، لازَمَه نجاحُهُ في التّعليم، بصُحبةٍ دامَت كلَّ عمرِه. ولطالما كانَت مائدتُهُ في التّدريس، مرتديةً أطباقُها زِيَّ القيمة، وإذا اختارَ تلاميذُهُ واحدًا من أطباقِها، فهذا يجذِبُهم الى إدمانِ جميعِ المائدة، فيتَمَنَّون لو يبقى الطّاهي شَغّالًا. 

ايلي مارون خليل، يا مَنْ كُنّا نهتزُّ لوجودِكَ المُمَيَّزِ الذي لم يمرَّ بنا، مرّةً، من دون أن يتركَ فينا ذلك الأَثَر، وأنتَ تغفو على بساطِ الرّاحةِ، ينقلُكَ الى الفَوق، سيبقى وِجدانُنا آهِلًا بكَ، لأنه، مهما انكفأَ الوَرْدُ، يبقى عِطرُهُ عابقًا يتحدّى، فينا، مواسمَ الذّبول.

رَحِمَك اللهُ، يا صديقًا وزميلاً وأَخًا، وأَراحَكَ مُستَقِرًّا في جَنّاتِهِ مع الأَبرار.

المقدمة

تحت عنوان   “الإبداع يُظَهِّرُ الجَمالَ بالقلم” قدم المؤلف لجديده بكلمة جاء فيها: 

لقد حبَّبَ الزّمانُ للناسِ مسالكَ قيادةِ المُلك، والتمكّنَ من الجاهِ والأَنَفَة، موقِظًا في نفوسِهم دواعي القوّةِ والسّلطة، كما حفَزَ أصحابَ المواهبِ، لا سيّما الكتابيّة منها، على البلاغةِ وبَواعثِ النّشاطِ الإبداعي. وإذا أرخى الزّمانُ العِنانَ للقَدَرِ فوارى السّلطانَ واضمحلَّ نفوذُه، ولم يأتِ عليه التّاريخُ إلّا بالإشارة، فالزّمان يعجزُ عن كَبتِ الرّغبةِ الى تظهيرِ الجَمالِ بالقلم إبداعًا، لذا، لا يستطيعُ الزّمانُ أن يجعلَ حظَّ الكتابةِ كَحَظِّ الممالك. وإذا أدبرَ الذِّكرُ عن المدوَّناتِ لِوَقت، بسبب انحطاطٍ أيًّا كان سببُهُ، فهذه لا تلبثُ أن تتوهَّجَ، لتربحَ، بذلك، دَعوى الحضارة.

الإبداع لم يُخلَق من عدم، ولم يُبعَث مرةً واحدة، لكنّه، في الظّهورِ والاتّقاد، على نَحوِ ما تفعلُ تباشيرُ الصّباح. إنّه جذوةٌ تُلهِبُ ما تَمَسُّ من أوتار المشاعر، وتَحفِزُ الحِراكَ الذَّوقيَّ على تَلَمُّسِ طريقِ التَّعبير عمّا يرتاحُ إليه، فيمتدُّ على الحبرِ ظلُّ الجَمالِ الذي هو ياقوتةُ الذَّوق. من هنا، تعجزُ القوالبُ الجامدةُ عن ممارسةِ رِقِّها عليه، وكذلك، يَخيبُ أملُ الوصفاتِ التّقنيّةِ في بسطِ سلطانِها على سرائرِه، لأن الإبداع يَكمنُ في صافي الأحاسيسِ لا في الآلة.

في سابقِ العهد، لمّا لم يَبسمِ الإبداع للقلم، خجلَ الحبرُ حتى ارفَضَّ عَرَقًا، وقضى بأن يُغمِضَ جَفنَيهِ عن مقاماتِ الإبداع إلّا برفقةِ مُحَسِّنٍ طَيّاب، تُصمَدُ الدّهشةُ بين يَدَيه، للفنِّ به سَكرة، وللمشاعرِ مسرحُ تَصاوير. وكان الجَمالُ شلاّلَ مجالسِ الكتابة، وسليلَ أعيانِ القرائح، ما تنفَّسَ القلمُ، معه، إلّا تَحلِيَة، إذا لَحَظَه تَهَلَّل، وإذا ناقلَهُ تَدَلَّل. والكتابةُ، مع الإبداع ليست دَميمة، وهي طريقٌ مسلوكٌ، ومؤيَّدةٌ، لحظةً بلحظة، بالصُّوَرِ التي استِنباشُها لا يحصلُ إلّا لِمَن وُلِدَ في برجِ السَّعد.

عندما اشتغلَ قلمي بالجَمال، إبداعًا، أحسستُه يشبهُ اشتغالَ الحناجرِ بالموسيقى، هذه التي تتبعُ قواعدَ وأصولًا، وتفرضُ شروطًا تطالُ الأصواتَ على اختلافِ طبقاتِها، وتشكّلُ معضلةً لأكثرِ المُشتغلين بالغناء. وكذا الإبداع يفرضُ أبجديّاتِ الإجادة، صعبةً، عصيَّةً على العاديّين، فمَنْ أتقنَها تَبَوَّأَ، وحدَه، صدارةَ الجَمال. وكما أنّ جفاءَ المهارةِ في الأداء ليس له علاج، كذلك، مَنْ لم يكتملْ عندَه احترافُ مَدمكةِ الجَمالِ في التّعبير، لا تنفعُ معه وساطةٌ، ولا دَعوى استئناف.

لقد تعاطَيتُ في كتابي ” صفوة الإبداع ” مع الذين لبسَ الحبرُ، معهم، جَمالًا فتبَدَّلَ لونُه، وارتدى رقَّةً، واتَّسعَ مدى إنتاجه صُوَرًا في مساحةِ إبداعٍ حيثُ مخابئُ الدرّ. لقد استقلَّ المبدِعون في الآداب والفنون والإعلام والعِلم، متنَ الإحساسِ الرَّشيق، وهو تذكرةُ الطَّوافِ فوق تُحَفِ الدّهشة، فكسروا قيودَ المألوفِ ليخلقوا مناخًا يروقُ للكلامِ أن يتجوَّلَ في أرجائه. إنّ المحتوى الجَماليّ في تفاصيلِ حبرِ المُبدِعين، يعتلي، وحدَه، سُدَّةَ البدرِ بين الكواكب، لأنه يستطيعُ أن يضعَ الذَّوقَ في حالةِ انبهار، والنّفسَ في جَوِّ نَشوة، كيف لا، وفي كلِّ مرّةٍ يحملُ الإبداعُ بين يَديهِ جَمالاً، يشعرُ فَيضُ الجَمالِ أنّ قوةً خرجَت منه.

إنّ إبداعَ الجَمالِ يرتقي ليصبح حالةً قدسيّة، خصوصًا، في زمنٍ نَفَقَ سِعرُ المواهبِ، وانتقلَت مطالعُ الجَمالِ الى مأوى النّسيان. لكنّ الذين وجّهتُ رُسُلي الى نتاجهم، من المُجَلّين في مقامات الآداب والفنون والإعلام والعِلم، عاد رُسُلي بشطحاتٍ نعيمُ كلامها مِثلُ رقعةِ الشّمسِ في خُدودِ المِلاح. فليس في نصوصهم زخرفةٌ جوفاءُ، أو صيغةٌ تتولّى رموزُها إدهاشًا فانتيزيًّا لا يلبث أن يضمحلَّ، كالبُروق، فهؤلاء المُبدِعون يكحّلون جَفن الكلامِ بِمِيلِ الجَمالِ حتى يَشعرَ الذَّوقُ بالرِّضا.

إذا كان الجَمالُ رسمًا بالكلمات، وحِليةَ الحبر، فبقَدرِ ما تحظى الحِليةُ بالحلاوةِ، بقَدرِ ما يكونُ المُبدِعُ صائغًا بارعًا، وهكذا كلٌّ من أبطال ” صفوة الإبداع “. ويُخطئُ مَنْ يَحسبُ أنّ إحالةَ قيمةِ الكلامِ الى مُعطى الإبداع، هي فَضلةُ لسان، أو ضربٌ من العشوائيّةِ في التَّقدير، فالجَمالُ الذي تصوغُه يدُ الإبداع، هو الأَسرعُ ممازجةً للقلب الذي تهيم أسلاكه ليهيمَ في مزاجٍ يشبهُ رابطَ العشق.

لقد قسمتُ ” صفوة الإبداع ” الى صفوتَين، واحدة ترفعُ السّتارَ عن عِقدٍ فريدٍ حلقاتُهُ مُجَلّون كلامُهم نظامٌ من الياقوت في عالَم الآداب والفكر والعِلم والصّحافة، تحت عنوان ” صفوة الآداب “. وثانية تعزفُ على أوتار الفنون التي نُقِشَت على ضوءِ الوجدان، تُنشِدُ أغنيةً عذبة، مفعَمَة بالموهبة، وتعرضُ وقفةً فوقَ الخشبة، شاهدة على الحياة، تحت عنوان ” صفوة الفنون “. 

مع ” صفوة الإبداع “، وهو الجزء الثالث من مجموعةٍ تناولَت دراساتٍ في النّقد الأدبي والفِكري والفنّي، بعدَ ” مبدعون من لبنان ” و ” قامات ومقامات”، إنّني أتوجّه بالشّكر وبخالص الامتنان الى الصّديق الخَلوق الدّكتور ربيعة أبي فاضل الذي دفعَني الى نقل هذا النّتاج من القوة الى الفِعل، ومهما ازدانت مشاعري بالتّقدير، لن أستطيع أن أوفّيَه حقّه. كما أخصّ بالشّكر الصّادق أخي الموهوب إيلي نادر الذي أخذ على عاتقه إنتاج رسمة الغلاف البديعة، وهو المبدِع الخلّاق، ترتيبًا، وتصميمًا، وتنظيمًا. وأتوجّه بالشّكر، كذلك، الى أصدقائي القَيِّمين على دار صادر، والذين يعود لهم الفضلُ في إنتاج ” صفوة الإبداع “…  

                                                        

Comments: 0

Your email address will not be published. Required fields are marked with *